الكهرباء تتفوّق على البنزين.. لحظة تاريخية تعيد رسم سوق السيارات في أوروبا

وكالة أنباء حضرموت

سجّل سوق السيارات الأوروبي نقطة تحول تاريخية، بعدما تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية مبيعات سيارات البنزين للمرة الأولى، في تطور يعكس تسارع التحول في تفضيلات المستهلكين، وتغير اتجاهات السياسات الصناعية والبيئية في القارة الأوروبية.

وفقا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، فإن هذا التطور لم يأتِ بشكل مفاجئ، بل يُعد نتيجة تراكمية لسنوات من الدعم الحكومي، والتشريعات البيئية الصارمة، والتوسع المستمر في البنية التحتية لمحطات الشحن، إلى جانب التحسّن الملحوظ في جودة السيارات الكهربائية وتراجع الفجوة السعرية بينها وبين سيارات الوقود التقليدي.

وشهد شهر ديسمبر/كانون الأول ارتفاعًا قويًا في تسجيل السيارات الكهربائية بالكامل، مدفوعًا بالعروض التحفيزية في نهاية العام، وسعي المستهلكين للاستفادة من الحوافز الضريبية قبل أي تغييرات تشريعية محتملة.

في المقابل، واصلت سيارات البنزين فقدان حصتها السوقية، متأثرة بتشديد معايير الانبعاثات وارتفاع تكاليف التشغيل على المدى الطويل. واللافت أن هذا التفوق لم يكن محصورًا في دولة واحدة، بل شمل أسواقًا رئيسية مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة ودول شمال أوروبا، حيث باتت السيارات الكهربائية خيارًا سائدًا، وليس مجرد بديل تجريبي. كما أسهم دخول طرازات كهربائية بأسعار أكثر تنافسية في توسيع قاعدة المشترين، لا سيما ضمن الفئات المتوسطة.

وعلى صعيد الشركات، يعكس هذا التحوّل نجاح استراتيجيات شركات السيارات الأوروبية التي ضاعفت استثماراتها في التقنيات الكهربائية، إلى جانب تصاعد الضغوط من المنافسين الآسيويين الذين يطرحون سيارات كهربائية بتكلفة أقل وتقنيات أكثر تطورًا. وقد دفع هذا الواقع المصنّعين التقليديين إلى تسريع خطط التحوّل، وتقليص استثماراتهم في محركات البنزين بشكل تدريجي.

اقتصاديًا، يشير تجاوز السيارات الكهربائية لسيارات البنزين إلى تغيّر هيكلي في الطلب على الطاقة، مع تراجع الاعتماد طويل الأجل على الوقود الأحفوري في قطاع النقل، وزيادة الضغط على شبكات الكهرباء، إلى جانب تصاعد الاستثمارات في الطاقة المتجددة. كما يحمل هذا التحوّل آثارًا مباشرة على أسواق النفط، التي قد تواجه نموًا أضعف في الطلب الأوروبي خلال السنوات المقبلة.

ورغم هذا الإنجاز، لا تزال التحديات قائمة، وفي مقدمتها قدرة شبكات الشحن على مواكبة النمو السريع، وتفاوت مستويات الدعم الحكومي بين الدول، إضافة إلى مخاوف تتعلق بتكلفة البطاريات وسلاسل التوريد. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام بات واضحًا؛ إذ انتقلت السيارات الكهربائية من مرحلة الصعود التدريجي إلى مرحلة الهيمنة الفعلية.

ويمثّل تجاوز مبيعات السيارات الكهربائية للبنزين في أوروبا لحظة مفصلية في تاريخ صناعة السيارات، ويؤكد أن التحوّل نحو النقل الكهربائي لم يعد خيارًا مستقبليًا، بل واقعًا يتشكّل بسرعة. ومع استمرار التشريعات الداعمة وتطور التكنولوجيا، يبدو أن هذا التفوق لن يكون مؤقتًا، بل بداية لمرحلة جديدة تعيد رسم خريطة سوق السيارات والطاقة في القارة الأوروبية.