من الشاه إلى الملالي : سماع صوت الثورة في اللحظات الأخيرة
في تحليل للمشهد الإيراني الملتهب في يناير 2026، يشير الواقع الميداني إلى أن الفجوة بين الشعب و”النظام الإيراني” قد اتسعت لتصل إلى نقطة اللاعودة، حيث لم تعد هناك لغة مشتركة للحوار. وفي ظل هذا المأزق، يلجأ هيكل السلطة المستميت للبقاء إلى ارتداء قناع “سماع صوت المعترضين” لتفريق الصفوف. وقد جاءت رسالة مسعود رجوي، قائد المقاومة الإيرانية، في 30 ديسمبر ، لتكشف زيف هذه الحيلة، مؤكدة أن ما يجري هو تكرار لسيناريو الشاه في أيامه الأخيرة، وأن الحل الوحيد يكمن في رحيل النظام بالكامل وتأسيس جمهورية ديمقراطية.
ليس غريباً أن تلجأ الديکتاریة الدينية في لحظاتها الأخيرة إلى تكرار سيناريوهات تاريخية فاشلة. إن التشابه العجيب بين سلوك حكومة خامنئي اليوم والأشهر الأخيرة من حكم الشاه، يكشف عن نمط متكرر من الاستبداد. ولكن السؤال الجوهري يظل: هل يمتلك نظام بُني على رفض الشعب وتنفيذ إعدامات غير مسبوقة (أكثر من 2200 إعدام في عام واحد) أي قدرة هيكلية حقيقية على “السمع” أو “التغيير”؟
تناقض صارخ: “حوار” بـ 42 ألف عنصر قمع
الإجابة تكمن في التناقض الصارخ بين الأقوال والأفعال. فبينما تتحدث المتحدثة باسم الحكومة عن الاعتراف بالأزمات والاستعداد لسماع الكلمات “المرة والقاسية”، تصطف كتائب القمع بـ 42 ألف عنصر في العاصمة طهران لخنق أي صرخة في الحناجر.
هذه المفارقة، أي إرسال جيش من القمع بالتزامن مع الدعوة للحوار، تثبت أن “الحوار” في عقيدة النظام ليس استراتيجية للحل، بل هو “تكتيك أمني” يهدف لشراء الوقت واحتواء الغضب الاجتماعي.
قائد المقاومة: الحل في الرحيل لا التفاوض
جسد مسعود رجوي قائد المقاومة هذا الوضع ببراعة في رسالته عبر تمثيل تاريخي وأخلاقي: حكاية الشخص القبيح الذي يمسك بطفل، ورغم بكاء الطفل يطلب المفاوضات، بينما الحل يكمن في خطوة بسيطة واحدة: “أن يترك الطفل ويذهب”.
تختزل هذه الاستعارة جوهر مطالب الشعب الإيراني في عبارة واحدة: العبور الكامل من نظام الملالي. فعندما ينقطع الرابط العاطفي والمدني بين الأمة والدولة تماماً، يصبح الحديث عن “الإصلاح” أو “تلبية المطالب المعيشية” إهانة للوعي الجمعي.
فسا وطهران: سقوط حاجز الخوف
تؤكد التقارير الميدانية من اليوم الخامس لانتفاضة البازار في مدن مثل فسا، وأصفهان، وشيراز، وطهران، أن المجتمع الإيراني تجاوز مرحلة “الاحتجاج على الضائقة الاقتصادية” ودخل مرحلة “حسم المصير السياسي”.
إن التحالف الرمزي بين “البازار” و”الجامعة” وحضور أمهات الشهداء في الشوارع، يشير إلى تشكل كتلة اجتماعية موحدة لم تعد تفرقها العطل الرسمية أو الحيل الحكومية. وما حدث في مدينة فسا من سيطرة المواطنين على مبنى القائمقامية رغم إطلاق الرصاص الحي، هو دليل قاطع على أن “الخوف”، كأداة رئيسية لبقاء الاستبداد، قد فقد فاعليته.
بركان التغيير الجذري
في التحليل النهائي، يُعتبر إعلان النظام استعداده للحوار اعترافاً غير طوعي بشرعية الاحتجاجات، لكنه اعتراف جاء متأخراً جداً. إن بركان غضب الشعب لن يخمد بوعود جوفاء. ما يجري في شوارع إيران هو مواجهة بين “هيكل متصلب آيل للسقوط” وبين “إرادة وطنية حية” اختارت الشارع كخيار وحيد لاستعادة الوطن المحتل.
إيران اليوم لا تبحث عن “أن تُسمع”، بل تبحث عن تغيير جذري؛ تغيير يكون فيه استبدال الهيكل الفاشي بجمهورية ديمقراطية تعددية هو المسار الوحيد للمستقبل.