اخبار الإقليم والعالم
مناقصات استكشاف الغاز والنفط حافز قوي لكسر الجمود السياسي في ليبيا
يرى محللون أن مناقصات استكشاف الغاز والنفط في ليبيا تقدم حافزا قويا للقوى الغربية من أجل كسر الجمود السياسي الذي تعاني منه البلاد.
وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية في يناير أن البلاد ستطرح “قريبًا” مناقصة عامة لاستكشاف حقول رئيسية للغاز والنفط، وهي أول مناقصة من نوعها منذ عام 2007.
وقد تسمح جولة المناقصات المقبلة لليبيا بتحقيق استقرار وتنمية إنتاج النفط في البلاد، مع جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاع الطاقة، وهو قطاع حيوي يُمثل حوالي 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الليبي و94 في المئة من صادراتها و97 في المئة من إيرادات الحكومة.
أي إعادة انخراط دولي في ليبيا دون دور أميركي تُهدد بإغراق البلاد في شبكة أعمق من إفساد إمكانات التنمية
ومع ذلك لا يزال هناك مجال للنمو، إذ لا تزال غالبية المياه الإقليمية الليبية و70 في المئة من أراضي البلاد غير مستكشفة، ومن المتوقع أن تحتوي على أحواض شاسعة من احتياطيات النفط والغاز.
ولكن من المقرر أن تُعقد الجولة في ظل جمود سياسي مستمر منذ عقد من الزمن بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس ومجلس النواب في طبرق. فمنذ عام 2014، فشلت الفصائل المتحاربة في الاتفاق على مسار لإجراء انتخابات وطنية وعملية مصالحة سياسية.
ويقول الباحث في الشؤون الليبية ياسين راشد في تقرير نشره المجلس الأطلسي إن الولايات المتحدة وإيطاليا قد تكونان في وضع فريد، ولديهما حافزٌ قويٌّ لتهدئة هذه الأزمة.
وفي غياب انفراج هذا الجمود من غير المرجح أن تجذب طرابلس تدفقًا للاستثمار في قطاع الطاقة. بل إن هذا الجمود يُنذر بانزلاق ليبيا إلى شبكة أعمق من التدخلات الأجنبية المشوهة.
ويمكن لكلٍّ من واشنطن وروما الاستفادة من مكانتيهما العالميتين لمكافحة الفساد المستشري في البلاد، وتسهيل عملية سياسية تكنوقراطية بقيادة ليبية.
إنتاج الطاقة المتقلب
احتكر قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر موارد الطاقة الوطنية لما يقرب من عقد من الزمن، ما أدى إلى زيادة التقلبات في إنتاج النفط في البلاد.
وقد استغل احتكاره بشكل واضح للتفاوض على صفقات الأسلحة وتوسيع نطاق وصوله إلى شبكة دعم أجنبية.
وكشف تقرير حديث لصحيفة “التلغراف” عن صفقة بين حفتر والصين حيث ورد أن الأخيرة شحنت طائرات عسكرية دون طيار من طراز وينغ لونغ بقيمة مليار دولار مقابل النفط الخام.
ويخضع طرح العطاءات على أكبر احتياطيات النفط في البلاد، حوض سرت، لسيطرة الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر إلى حد كبير.
ومن الصعب تخيّل فوز أي شركة بحقوق التنقيب دون موافقة معسكر حفتر مقابل ضمانات أمنية.
ويمكن لحفتر بعد ذلك الاستفادة من نتائج التنقيب -إن ثبتت هذه النتائج- للتفاوض على عقود أكثر ملاءمة لموافقات الحفر وخطة الإنتاج، ما يعزز ترسيخه للمؤسسات المشتركة في البلاد كما هو محدد في اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2020.
وقد يفتح هذا الباب أمام زيادة التدخل الأجنبي في البلاد، حيث واصل كل من حكومة الوحدة الوطنية وحفتر الاستفادة من الشراكات الدولية القائمة لتعزيز قبضتهما على موارد الطاقة الغنية في البلاد.
فرص استثمارية
في نهاية عام 2024 تحدت المؤسسة الوطنية للنفط التوقعات العالمية وزادت إنتاجها إلى أعلى مستوى له في أحد عشر عامًا، مسجلة 1.422 مليون برميل يوميًا.
وتأمل ليبيا، من خلال جذب الاستثمارات، في إصلاح المصافي الحالية والعمل مع شركات عالمية لاستعادة إنتاجها الذي كان قبل الحرب.
وصرح وزير النفط الليبي، خليفة عبدالصادق، لرويترز في يناير أن البلاد بحاجة إلى استثمارات أجنبية تتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار للوصول إلى إنتاج يبلغ 1.6 مليون برميل يوميًا.
وقد أثار هذا بالفعل بعض الدهشة بين مستثمري الطاقة، وتُعتبر ليبيا بشكل متزايد مركزًا لفرص الاستثمار، مع وعود بالإصلاحات وزيادة الشفافية.
ومع استمرار حفتر في التقرب من الصين وروسيا سعيًا وراء مبيعات الأسلحة، ازدادت حكومة الوحدة الوطنية تقاربًا مع تركيا. ففي عام 2019 أنشأت الدولتان منطقة اقتصادية خالصة بينهما. كما وقّعت حكومة الوحدة الوطنية اتفاقية في يناير مع تركيا لتعزيز تعاونها في قطاع الطاقة المتجددة، وجذبت اهتمامًا استثماريًا من شركة البترول التركية المملوكة للدولة في أنقرة.
وفي قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد 2025 التي عُقدت في طرابلس أشار المدير العام لشركة البترول التركية أحمد تورك أوغلو إلى استعداد تركيا للاستثمار في قطاع الطاقة في البلاد، قائلاً للصحافيين “نحن هنا لأننا نرى إمكانات كبيرة. أنا متأكد من أن ليبيا ستحقق المزيد،” في إشارة خاصة إلى الحقول البحرية كجزء من مذكرة تفاهم عام 2019.
وتبدو طموحات تركيا في شرق البحر المتوسط ليست سرية ولا غير مثيرة للجدل. وعلى غرار توقيع مصيرها مع هيئة تحرير الشام السورية، راهنت تركيا على حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس على أمل ترسيخ طموحاتها لتصبح قوة إقليمية مهيمنة.
وإلى جانب مشاركة أنقرة المتزايدة في تسهيل المفاوضات بين إسرائيل وحماس، يلعب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعبة شطرنج إقليمية، وهي لعبة أثبتت نجاحها بالفعل في سوريا وفي تدخلها الأولي في ليبيا عام 2020.
ومن خلال زيادة الاستثمارات في مشاريع الطاقة في ليبيا، تسعى تركيا إلى اكتساب نفوذ في الانتعاش الاقتصادي والسياسي للبلاد.
تجديد التعاون الأميركي - الإيطالي
إن أي إعادة انخراط دولي في ليبيا دون دور أميركي واضح في تسهيل التوصل إلى اتفاق تُهدد بإغراق البلاد في شبكة أعمق من التدخل الأجنبي المشوه وإفساد إمكانات التنمية.
ويُعدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحليفته وصديقته الشخصية رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لاعبين دوليين رئيسيين في ليبيا.
ولم يسمح غيابهما وانعدام مشاركتهما الدبلوماسية إلا لروسيا والصين بتوسيع عملياتهما هناك.
ومن خلال قيادة تسهيل عملية سياسية متجددة، يُمكن للولايات المتحدة وإيطاليا الاستفادة من تأمين عقود التنقيب عن موارد الطاقة في البلاد، ومساعدة أوروبا في تلبية احتياجاتها من الطاقة، مع ضمان حصول الليبيين على الديمقراطية التي طمحوا إليها منذ عام 2011.
وتُطوّر إيطاليا بالفعل إطار عمل يُمكن لترامب المساهمة فيه؛ إذ تُهيئ نفسها لتصبح مركز الطاقة في أوروبا، وتُساعد في تسهيل بيع ونقل النفط والغاز من أفريقيا إلى بقية القارة مع تحولها عن الموارد الطبيعية الروسية.
ويمكن لـ”خطة ماتي” التي اقترحتها ميلوني، والتي سُميت تيمنًا بمؤسس شركة النفط الإيطالية العملاقة “إنتي ناسيونالي إيدروكاربوري” (إيني)، إنريكو ماتي، أن تُساعد إيطاليا على تحقيق طموحاتها بأن تصبح الوسيط الرئيسي للطاقة في أوروبا، وقد تُثبت ليبيا جدارتها كمزود رئيسي لهذه الفرصة.
ولا تزال إمكانات طرابلس في مجال الطاقة غير مُستغلة. ويُمكنها أن تُوفر لإيطاليا وأوروبا عمومًا أسعار إنتاج أرخص وجودة نفط خام أعلى مُقارنة بجيرانها.
وكانت استثمارات إيطاليا في ليبيا محدودة نسبيًا وسط مخاوف من عدم استقرار الحكومة. وسعت روما إلى إبرام عقود طاقة مع شركاء طاقة آخرين في شمال أفريقيا، مثل شركة الربط الكهربائي التونسية “إلميد” وشركة سوناطراك الجزائرية.
ومع ذلك استأنفت شركة “إيني” بالفعل أعمال الحفر في مناطق حوض غدامس أواخر العام الماضي بعد انقطاع دام قرابة عشر سنوات، مُشيرةً إلى استعدادها للاستثمار في إمكانات الطاقة في ليبيا.
وعلاوة على ذلك يُمكن لقرب ليبيا من إيطاليا أن يُوفر أيضًا أسعار نقل أرخص، ما يجعل البلد شريكًا استثماريًا لإيطاليا جذابًا جدا في مجال الطاقة.
وتُدرك ميلوني أنه في غياب حل سياسي واضح في الأفق لليبيا، تظل هناك مخاطر كبيرة تُهدد أي استثمارات في قطاع الطاقة في البلاد.
وفشل مجلس النواب وحكومة الوحدة الوطنية في تحقيق مهمتهما المتمثلة في إيصال البلاد إلى الانتخابات، وفقدا شرعيتهما لدى العديد من الليبيين بعد سنوات من عدم الانخراط في تحديد مستقبل بلادهم.
ويمكن للولايات المتحدة وإيطاليا أن تُسهما في انطلاق عملية سياسية جديدة من خلال فرض عقوبات على الفاسدين الليبيين، الذين عرقلوا التوصل إلى حل على حساب أرواح الليبيين.
وينبغي الحد من مشاركتهم وإشراكهم في أي عملية سياسية، إذ يُخاطرون بإفساد العملية مقابل دور مستقبلي في البلاد.
وقد تُركز الولايات المتحدة وإيطاليا، بدلاً من ذلك، على إشراك المجتمع المدني الليبي ومجموعة من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين في ليبيا وخارجها، لقيادة عملية انتقالية ذات صلاحيات ومواعيد نهائية واضحة وقيود على السلطة، للمساعدة في إيصال البلاد إلى الانتخابات.
ويجب أن تشمل هذه العملية المتجددة مفاوضات حول دور حفتر المستقبلي في البلاد، وهو موضوع لا يملك فيه أحدٌ نفوذًا أكبر لإقناع القائد العسكري بالجلوس إلى طاولة المفاوضات من الولايات المتحدة، نظرًا لجنسيته الأميركية واستمرار أصوله في منطقة واشنطن الكبرى. كما أقام حفتر علاقة عمل ودية مع الرئيس ترامب منذ ولايته الأولى، ما قد يتيح لإدارة ترامب فرصة غير مسبوقة للتفاوض بشأن ليبيا مع معسكر حفتر.
وهناك جاذبية إضافية لترامب في ليبيا، إذ تُعدّ ليبيا عضوًا مهمًا في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
وفي وقتٍ سابق من هذا العام صرّح الرئيس الأميركي بأنه سيطالب أوبك بخفض أسعار النفط، مُلقيًا باللوم في ارتفاع الأسعار على الحرب الروسية – الأوكرانية.
ويمكن لطرابلس المساعدة في خفض أسعار النفط من خلال زيادة إنتاج النفط واستقراره.
وبالفعل أشار وزير النفط والغاز الليبي بالإنابة، خليفة عبدالصادق، إلى هدفه المتمثل في زيادة الإنتاج من 1.5 مليون برميل يوميًا إلى مليوني برميل يوميًا بحلول ديسمبر 2025.
وقد تعافى إنتاج النفط بالفعل وزاد في الأشهر الأخيرة، ومن خلال جذب الاستثمارات يمكن لقطاع الطاقة في البلاد أن ينتعش إلى مستوى ما قبل عام 2011.
وعبر تنويع الاستثمارات الأجنبية في البلاد بعيدًا عن الجهات الأجنبية المشوهة مثل الصين وروسيا، التي أفسدت عملية السلام سعيًا وراء مصالحها الخاصة، يمكن لليبيا أن تضمن للمستثمرين المزيد من الشفافية والامتثال للأنظمة الدولية، بما في ذلك حظر الأسلحة الحالي. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق ذلك في ظل الوضع الراهن.