اخبار الإقليم والعالم

هل يستطيع الاتحاد الأوروبي الاستغناء عن المظلة الأمنية الأميركية

وكالة أنباء حضرموت

 بعد أن أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قواته بدخول أوكرانيا قبل ثلاث سنوات ورفع أسعار الطاقة لإضعاف الدعم الغربي، تمكنت الدول السبع والعشرون من التخلص من اعتمادها على الغاز الطبيعي الروسي في وقت قياسي. لكنها اليوم تواجه تحديا جديدا يتمثل في إنهاء اعتمادها على الولايات المتحدة في توفير الأمن.

وخلال الأسابيع الماضية أوضح مسؤولون بارزون في إدارة الرئيس دونالد ترامب أن أولويات الولايات المتحدة تكمن في أماكن أخرى، في آسيا وعلى طول الحدود الجنوبية لأميركا، وأن على أوروبا، بما في ذلك أوكرانيا، أن تتولى شؤونها الأمنية بنفسها.

وقال فريدريش ميرتس المستشار الألماني المحتمل، في مقابلة مع القناة التلفزيونية الثانية في ألمانيا، بعد فوزه في انتخابات الأحد “الأولوية المطلقة بالنسبة إلي ستكون تعزيز قوة أوروبا في أسرع وقت ممكن، حتى نتمكن من تحقيق الاستقلال عن الولايات المتحدة خطوة خطوة.”

وأضاف ميرتس، معبرا عن اندهاشه مما وصفه بلامبالاة أميركية واضحة تجاه مصير أوروبا، “لم أكن أتصور يوما أنني سأضطر إلى قول مثل هذا الأمر في برنامج تلفزيوني.”

ورغم استبعاد الاتحاد الأوروبي من محادثات السلام بشأن أوكرانيا، يبدو أن ميرتس وقادة أوروبيين آخرين عازمون على التكيف مع الواقع الأمني الجديد. ومع ذلك لا يزال من غير الواضح ما إذا كانوا سيتمكنون من حشد الموارد العسكرية والمالية اللازمة، أو إيجاد الإرادة السياسية الكافية للدفاع عن مصالحهم.

فجوة أمنية متزايدة
◙ بعض الدول الأعضاء تريد اتحادا يتخلص من الإجماع وحقوق الاعتراض في قضايا السياسة الخارجية

يعتقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن على الدول الأعضاء تخصيص ما لا يقل عن 2 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي لميزانياتها الدفاعية. ومع ذلك، فإن اثنتين من القوى الكبرى في الاتحاد الأوروبي، وهما إيطاليا وإسبانيا، لا تقتربان من هذا المستوى، كما هو الحال بالنسبة إلى كل من بلجيكا وكرواتيا ولوكسمبورغ والبرتغال وسلوفينيا.

وصرح الأمين العام للناتو مارك روته بأن الدول الأعضاء قد تحتاج إلى إنفاق 3.5 إلى 3.7 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي لتنفيذ خطط الحلف في الدفاع عن أوروبا، مشيرا إلى مخاوفه من أن روسيا قد تصبح قادرة على شن هجوم على دولة أوروبية بحلول نهاية العقد.

وتتضمن هذه الخطط الدفاعية مشاركة القوات الأميركية، لكن في حال غيابها يقدر معهد بروغل في بروكسل أن أوروبا قد تحتاج إلى 300 ألف جندي وزيادة سنوية في الإنفاق لا تقل عن 250 مليار يورو (262 مليار دولار) لردع روسيا.

وذكر المعهد أن وقف أي تقدم عسكري روسي قد يتطلب 1400 دبابة، و2000 مركبة قتال مشاة، و700 قطعة مدفعية.

وأضاف المعهد “هذه القوة القتالية تفوق ما تمتلكه القوات البرية الفرنسية والألمانية والإيطالية والبريطانية مجتمعة في الوقت الحالي.”

وفي أوكرانيا دعا الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى نشر 150 ألف جندي أوروبي لضمان عدم تجدد النزاع بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، إلا أن جيوش أوروبا صغيرة الحجم.

ويقترح أحد الحلول نشر أقل من 30 ألف جندي أوروبي مدعومين بالقوة الجوية والبحرية، لكن حتى توفير هذا العدد يشكل تحديا.

ووجدت دراسة حديثة أجراها المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، وهو مركز أبحاث في لندن، أن عدد الكتائب القتالية بالكاد قد ازداد منذ 2015. وأضافت فرنسا وألمانيا كتيبة واحدة فقط على سبيل المثال، بينما انخفض العدد في بريطانيا بمقدار خمس كتائب.

وحتى عندما تتمكن أوروبا من إنشاء قوات قتالية، ستفتقر غالباً إلى الأشياء اللازمة للقتال بفاعلية ولفترة طويلة بما يكفي: قدرات القيادة والسيطرة، مثل ضباط الأركان المدربين على إدارة مقار كبيرة، الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، مثل الطائرات دون طيار والأقمار الاصطناعية، القدرات اللوجستية، بما في ذلك الجسور الجوية، وذخيرة تدوم لفترة أطول من أسبوع أو نحو ذلك.

ويقول الخبير العسكري مايكل كوفمان “إن الأشياء التي يمكن للجيوش الأوروبية أن تفعلها، يمكن أن تفعلها بشكل جيد حقاً، لكنها عادة لا تستطيع فعل الكثير منها، ولا تستطيع فعلها لفترة طويلة جداً، وهي مخصصة للفترة الأولى من حرب ستقودها الولايات المتحدة.”

معضلة التمويل
◙ ميرتس قد يجلب بعض الاستقرار لألمانيا، رغم أن اليمين المتطرف احتل المركز الثاني في الانتخابات هناك

ارتفع الإنفاق الدفاعي في أنحاء أوروبا منذ بدء الغزو الروسي، لكن جزءا كبيرا منه ينفق على تسليح أوكرانيا وإعادة ملء المخزون العسكري الأوروبي المستنفد، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بسبب زيادة الطلب.

وتعاني أوروبا من نقص في وسائل النقل العسكري وسلاسل الإمداد اللوجستي، كما تواجه عجزا في القوى البشرية. ورغم أن العدد الإجمالي للجيوش الأوروبية يبلغ نحو مليوني جندي، فإنه يمكن نشر القليل منهم بفاعلية.

وتصاعدت في الآونة الأخيرة النقاشات حول إمكانية فرض التجنيد الإجباري. وللمساعدة في سد الثغرات تعمل المفوضية الأوروبية على تخفيف قواعدها المالية، ما سيسمح لدول الاتحاد الأوروبي بزيادة إنفاقها الدفاعي، ولو بشكل مؤقت. ورغم أن هذه الخطوة ليست حلا سحريا، فإنها قد تشجع على زيادة الميزانيات العسكرية.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ميرتس سيخفف من معارضة ألمانيا لسندات الدفاع الأوروبية، والتي تقوم على الاقتراض المشترك لتوفير منح وقروض منخفضة الفائدة، على غرار خطة التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا. في المقابل تدعم فرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا بالفعل فكرة سندات الدفاع.

وفي 19 مارس ستكشف المفوضية عن وثيقتها الرسمية التي ستتضمن مقترحات لمشاريع عسكرية كبرى، وسبل تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية، وآليات تمويلها. أما على المدى الطويل فستتم إعادة توجيه ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع المقبلة نحو تعزيز الأمن.

وقال مفوض شؤون الميزانية في الاتحاد الأوروبي بيوتر سرافين الأسبوع الماضي “عاد الاهتمام الجاد بمناقشة مسألة القدرات الدفاعية لأوروبا.” لكنه حذر من أن تأثير الميزانية الجديدة قد لا يظهر إلا بحلول عام 2030، ما يعني أن أي إجراء دفاعي “يجب أن يتخذ الآن.”

وتريد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن يكون للاتحاد الأوروبي وزير دفاع وسياسة إنفاق دفاعي جماعية. وبالنسبة إليها تظهر حرب روسيا ضد أوكرانيا سبب الحاجة إلى ذلك. ومع ذلك، ليست كل الدول الأعضاء مقتنعة. ويبقى الدفاع قضية وطنية وسيادية.

وتريد بعض الدول الأعضاء اتحادا يتخلص من الإجماع وحقوق الاعتراض في قضايا السياسة الخارجية. إنها تريد أوروبا أكثر تكاملا بدلا من الاتحاد الأوروبي الذي يدين بالفضل للدول الأعضاء.

وتعتبر أوروبا أساسا هي القضية. والدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي لا تتفق على اتجاه الاتحاد. ومن المنطقي تحقيق المزيد من التكامل السياسي والاقتصادي. لكن الكثير من الدول تريد استعادة المزيد من السيادة على حساب جعل أوروبا أكثر قدرة واستعدادا لما بعد ذلك.

الإرادة السياسية

يشكل توفير التمويل اللازم للتكيف مع الواقع الأمني الجديد تحديا هائلا، لكن ما هو نادر أيضا هو الشجاعة السياسية والوحدة المطلوبة لمواجهة خصم مثل روسيا. فقد اعتمدت أوروبا لعقود على المظلة الأمنية الأميركية، ومن الصعب التخلي عن العادات القديمة.

وقال هيرمان فان رومبوي، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، عام 2016 قبل أن يصبح دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة للمرة الأولى “لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يصبح فاعلا إقليميا وعالميا حقيقيا دون بعد عسكري مؤثر.”

ولم يكن إقناع 27 دولة بالاتفاق على نهج مشترك سهلا، وبعد أكثر من ثماني سنوات تبدو أوروبا اليوم في أضعف حالاتها، حيث يؤدي الصعود المستمر لليمين المتطرف، الذي يتبنى مواقف مؤيدة لروسيا في الكثير من الأحيان، إلى تقويض النظام القديم.

وقد يجلب ميرتس بعض الاستقرار لألمانيا، رغم أن اليمين المتطرف احتل المركز الثاني في الانتخابات هناك. لكن الحكومة الفرنسية هشة، وإسبانيا تعتمد على أحزاب صغيرة للحفاظ على تماسك ائتلافها. أما هولندا فيهيمن عليها خيرت فيلدرز، زعيم اليمين المتطرف، ما يجعل حكومتها غير مستقرة.

وتبدو بولندا قوية تحت قيادة رئيس الوزراء دونالد توسك، لكن انتخابات رئاسية تلوح في الأفق، حيث يتمتع مرشح يميني بفرص جيدة للفوز. أما بلجيكا فقد شكلت حكومتها الجديدة بعد شهور طويلة من المفاوضات.

وإيطاليا قد تكون الأكثر استقرارا، لكنها تظل بمعزل عن التوقعات إلى حد ما، تحت قيادة جورجيا ميلوني، التي ينتمي حزبها الحاكم إلى جذور “فاشية جديدة”. ومن بين الدول الصغيرة كانت المجر وسلوفاكيا عنصرين مزعجين داخل الاتحاد الأوروبي، إذ عرقلتا الدعم الأوروبي لأوكرانيا.

ولن يكون هناك تحرك حقيقي إلا إذا توصلت أوروبا إلى رؤية مشتركة حول التهديد الأمني الذي تواجهه.

ناقلات جديدة تعزز إمدادات النفط الروسي والإيراني إلى الصين


زيارة نواف سلام للجنوب تكشف رغبة لفرض سلطة الدولة


سباق تسلح أميركي - هندي يحبو في جنوب آسيا


هذا حال غزة اليوم بعد توقف القتال دون انتهاء الحرب