اخبار الإقليم والعالم
رسائل بغداد الثنائية: توازن الملاحة ومطالب السيادة
في مشهد يعكس دقة الحسابات الجيوسياسية وتعقيدات الارتباط الاقتصادي المتبادل، شكلت تصريحات الرئيس العراقي نزار ئاميدي، خلال مشاركته في أعمال "حوار بغداد"، تحولا لافتا في نبرة الخطاب الرسمي الموجه في آن واحد نحو الجارة الإيرانية والساحة الداخلية.
وتزامنت هذه المواقف مع إعلان طهران منح ناقلات النفط العراقية استثناء خاصا لعبور مضيق هرمز، مما كشف عمق الأزمة المالية التي تواجهها بغداد جراء تعطل الصادرات، ليضع المتابع أمام معادلة مزدوجة الرسائل.
فعلى صعيد الرسائل المباشرة الموجهة إلى طهران، كشف الرئيس العراقي تفاصيل المباحثات مع الوفد الإيراني الزائر قائلا "أبلغنا المسؤولين الايرانيين الذين زاروا بغداد أن الحكومة العراقية لا تستطيع دفع رواتب الموظفين بسبب توقف صادرات النفط الخام العراقية عبر مضيق هرمز وحاليا هناك مرونة إيرانية في تصريف النفط العراقي عبر هرمز وكانت هناك تسهيلات لمرور الناقلات خلال الشهر الحالي."
وتوضح هذه المصارحة ضغطا دبلوماسيا واقعيا لضمان تدفق العائدات الحيوية لخزينة الدولة، لاسيما بعد أن تضرر قطاع الطاقة بشدة منذ إغلاق المضيق على خلفية الضربات الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير، والتي أثقلت الاقتصاد العراقي الذي كان ينتج نحو أربعة ملايين برميل يوميا.
لم تقتصر رسائل بغداد على الملف النفطي فحسب، بل امتدت لتشمل التداعيات المباشرة للصراعات الإقليمية على الاستقرار الداخلي العراقي.
المصارحة تعتبر ضغطا دبلوماسيا واقعيا لضمان تدفق العائدات الحيوية لخزينة الدولة، لاسيما بعد أن تضرر قطاع الطاقة بشدة منذ إغلاق المضيق
وأقر الرئيس بصراحة بالغة أن البلاد تعاني من مشاكل حقيقية وتحديات جسيمة، مشددا على أن "العملية السياسية في العراق مستهدفة وعلى العراق أن يكون صريحا مع دول الجوار بأن العراق أولا... والأمر لا يحتمل أية مزايدات أو تحديات".
يعكس هذا الموقف قلقا متزايدا من انزلاق الساحة العراقية لكونها ساحة تصفية حسابات، حيث تعرضت مناطق في إقليم كردستان ومقرات حيوية لضربات جوية وهجمات، فضلا عن رصد عمليات انطلاق لاستهداف دول الجوار والخليج من داخل الأراضي العراقية.
وأكد ئاميدي أن الجميع حريص على النأي بأنفسهم عن أتون الحرب الدائرة في المنطقة، إلا أن الاقتصاد والمجتمع العراقيين يدفعان أثمانا باهظة نتيجة هشاشة الوضع الأمني وتداخل الملفات.
وفي خط متواز، حملت التصريحات رسائل حاسمة موجهة إلى الداخل العراقي والفصائل المسلحة، إذ طالب الرئيس بـ "تسويق السلاح والاندماج في القوات الأمنية والحشد الشعبي والحياة السياسية في البلاد بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق"، مشددا على أن "هناك حاليا حوارا وطنيا مرنا مع الحكومة العراقية وأن عملية حصر السلاح ستتم دون إراقة الدماء أو حتى الصدام المباشر".
وأكد ئاميدي على أن بسط سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يُعد "مطلبا شعبيا وحكوميا وسياديا والعراق لا يسمح باستخدام أراضيه لاستهداف دول الجوار والدول الخليجية"، لافتا إلى أن الحكومة تدير هذا الملف بحكمة بالغة وبالاعتماد على الحوار الجاد لتجنب أي صدام أهلي.
تتزامن هذه التحديات الاستراتيجية مع تعقيدات إدارية داخل الهيكل الحكومي ذاته؛ إذ أشار الرئيس إلى أن الحكومة العراقية لا تضم في كابينتها الحالية وزيراً للداخلية ولا وزيراً للدفاع، مما يضاعف من صعوبة ضبط الإيقاع الأمني في لحظة حرجة تمر بها البلاد.
وعلى الجانب القضائي والأمني المرتبط بمكافحة الإرهاب، كشف التقرير عن عبء قانوني كبير تتمثل في وجود 14 ألف قرار حكم بالإعدام صادرة بحق قيادات وعناصر من تنظيم داعش الإرهابي، من بينهم نحو 100 محكوم من جنسيات عربية وأجنبية، وهو ما يضع الأجهزة القضائية والتنفيذية أمام استحقاقات قانونية وأمنية إضافية لإنجاز هذا الملف في ظل التجاذبات الراهنة.