اخبار الإقليم والعالم
روبيو يحمل رسائل تطمين إلى الخليج بشأن الاتفاق مع إيران
تتجه أنظار العواصم الخليجية هذا الأسبوع إلى الجولة التي يقوم بها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الإمارات والكويت والبحرين، باعتبارها أول تحرك دبلوماسي أميركي مباشر لشرح أبعاد مذكرة التفاهم التي وقعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب مع إيران، ومحاولة تبديد المخاوف التي أثارتها بعض بنودها لدى حلفاء واشنطن في المنطقة.
وتأتي الزيارة في توقيت حساس يشهد إعادة رسم ملامح العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران بعد أشهر من المواجهة العسكرية والتوتر الإقليمي، ما يجعلها اختباراً مهماً لقدرة الإدارة الأميركية على طمأنة شركائها الخليجيين بأن الانفتاح على طهران لن يكون على حساب أمنهم أو مصالحهم الاستراتيجية.
وتبدو واشنطن مدركة لحجم التساؤلات التي أثارها الاتفاق داخل دول مجلس التعاون الخليجي. فعلى الرغم من أن هذه الدول رحبت عموماً بإنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران وما يمكن أن يترتب على ذلك من خفض للتوترات الإقليمية، فإنها لا تزال تنظر بحذر إلى مضمون الاتفاق وإلى التداعيات المحتملة لأي تقارب أميركي إيراني على التوازنات الأمنية في المنطقة.
ومن هنا تكتسب جولة روبيو أهمية خاصة، إذ لا تقتصر على شرح بنود التفاهم، بل تهدف أيضاً إلى إعادة تأكيد الالتزام الأميركي بأمن الخليج وإبقاء قنوات التنسيق مفتوحة مع الحلفاء التقليديين.
وتسعى الإدارة الأميركية إلى تقديم الاتفاق باعتباره خطوة نحو الاستقرار الإقليمي وليس تحولاً استراتيجياً في علاقاتها بالمنطقة. فالمسؤولون الأميركيون يدركون أن دول الخليج لا تعارض مبدأ التهدئة مع إيران من حيث المبدأ، بل تنظر إليه باعتباره عاملاً يمكن أن يسهم في تقليل المخاطر الأمنية والاقتصادية التي عانت منها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذه الدول تميز بين التهدئة وبين تقديم تنازلات قد تمنح إيران فرصة لاستعادة قوتها العسكرية أو تعزيز نفوذها الإقليمي من دون معالجة الملفات التي تشكل مصدر قلق مباشر لجيرانها.
ويبرز في هذا السياق القلق المتزايد من الحديث عن صندوق استثماري أو إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار مخصص لدعم الاقتصاد الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب.
وبالنسبة إلى عدد من العواصم الخليجية، لا يتعلق الأمر فقط بمساعدة إيران على تجاوز الأضرار الاقتصادية التي لحقت بها، وإنما باحتمال أن تتحول هذه الموارد الضخمة إلى وسيلة لإعادة بناء قدراتها العسكرية أو تعزيز أنشطة الجماعات المرتبطة بها في المنطقة.
وتستند هذه المخاوف إلى تجارب سابقة رأت فيها دول الخليج أن أي انفراج اقتصادي أو مالي لإيران انعكس بصورة أو بأخرى على توسيع نفوذها الإقليمي، سواء عبر برامج التسليح أو من خلال دعم حلفائها في عدد من الساحات العربية.
ولا يقل ملف الصواريخ الباليستية أهمية عن المخاوف الاقتصادية. فالكثير من المسؤولين الخليجيين ينظرون إلى غياب هذا الملف عن مذكرة التفاهم باعتباره أحد أبرز أوجه القصور في الاتفاق الحالي.
وخلال السنوات الماضية تعرضت دول خليجية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة نُسبت إلى إيران أو إلى جماعات مرتبطة بها، الأمر الذي جعل قضية الصواريخ جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الإقليمي.
ولذلك تتطلع هذه الدول إلى معرفة ما إذا كانت واشنطن تنوي إدراج هذا الملف ضمن المفاوضات المقبلة مع طهران، أم أن الاتفاق الجديد سيقتصر على الجوانب السياسية والاقتصادية دون التطرق إلى القدرات العسكرية الإيرانية.
الجولة الخليجية محاولة أميركية استباقية لاحتواء القلق الخليجي وتأكيد أن الطريق إلى السلام مع إيران يمر أيضاً عبر طمأنة شركاء واشنطن في المنطقة.
ومن المتوقع أن تحمل لقاءات روبيو مع قادة الخليج رسائل واضحة حول هذه النقطة تحديداً. فالإدارة الأميركية تحاول إقناع شركائها بأن مذكرة التفاهم ليست اتفاقاً نهائياً وإنما إطار أولي يفتح الباب أمام مفاوضات أكثر شمولاً خلال الأشهر المقبلة.
ومن هذا المنطلق، يرجح أن يؤكد الوزير الأميركي أن القضايا المرتبطة بالصواريخ الباليستية والأمن الإقليمي وسلوك إيران في المنطقة ستبقى جزءاً من النقاشات الجارية، وأن واشنطن لا تنوي تجاهل الهواجس الأمنية لحلفائها أثناء سعيها إلى التوصل لتسوية أوسع مع طهران.
وتحمل الجولة أيضاً بعداً يتعلق بإعادة ترميم الثقة بين الولايات المتحدة وشركائها الخليجيين. فعلى مدى عقود شكلت المظلة الأمنية الأميركية الركيزة الأساسية للأمن الخليجي، واستضافت دول المنطقة قواعد عسكرية أميركية كبيرة أصبحت جزءاً من الاستراتيجية الدفاعية لواشنطن في الشرق الأوسط.
لكن أي تقارب أميركي إيراني يثير بطبيعته تساؤلات حول مستقبل هذه العلاقة وحول مدى التزام الولايات المتحدة بمبدأ الردع الذي قامت عليه شراكتها مع دول الخليج.
وفي هذا الإطار، يبدو أن واشنطن حريصة على التأكيد أن الاتفاق مع إيران لا يمثل بديلاً عن التحالفات القائمة، بل يهدف إلى منع اندلاع أزمات جديدة قد تهدد الاستقرار الإقليمي ومصالح جميع الأطراف. كما تسعى الإدارة الأميركية إلى طمأنة شركائها بأن وجودها العسكري في المنطقة والتزاماتها الدفاعية لن تتأثر بأي تفاهمات سياسية مع طهران.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية إضافية في ظل المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة البحرية ومضيق هرمز، الذي يظل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية. فالمذكرة الأميركية الإيرانية تتضمن إشارات إلى ضمان حرية الملاحة، إلا أن دول الخليج تريد ترجمة هذه الالتزامات إلى ترتيبات عملية تضمن عدم تكرار التهديدات التي شهدتها المنطقة خلال فترات التصعيد السابقة. ومن المنتظر أن يكون هذا الملف حاضراً بقوة في محادثات روبيو مع المسؤولين الخليجيين، خصوصاً أن استقرار حركة الملاحة يعد مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.
كما تأتي الجولة في ظل حراك دبلوماسي أوسع تقوده واشنطن بشأن إيران، حيث بدأت بالفعل جولات تفاوض جديدة في سويسرا بوساطة قطرية وباكستانية، ضمن مهلة حددتها مذكرة التفاهم للتوصل إلى اتفاق أكثر شمولاً خلال ستين يوماً.
ويعكس ذلك رغبة أميركية في إشراك الحلفاء الإقليميين بصورة غير مباشرة في صياغة المرحلة المقبلة، أو على الأقل أخذ مخاوفهم في الاعتبار قبل الانتقال إلى خطوات أكثر تقدماً في المسار التفاوضي.
ولا تبدو مهمة روبيو مقتصرة على شرح بنود الاتفاق مع إيران بقدر ما تتمثل في إدارة تداعياته السياسية والأمنية داخل الخليج. فالولايات المتحدة تدرك أن نجاح أي تفاهم مع طهران لن يعتمد فقط على ما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين، بل أيضاً على مدى قدرة واشنطن على إقناع حلفائها بأن التهدئة مع إيران لن تأتي على حساب توازن الردع أو الشراكة الأمنية التي شكلت أساس النظام الإقليمي لعقود.
ومن هنا يمكن النظر إلى الجولة الخليجية باعتبارها محاولة أميركية استباقية لاحتواء القلق الخليجي وتأكيد أن الطريق إلى السلام مع إيران يمر أيضاً عبر طمأنة شركاء واشنطن في المنطقة.