اخبار الإقليم والعالم

تحذيرات أوروبية من مرونة المقاربة البريطانية تجاه الإخوان

وكالة أنباء حضرموت

يتزايد الجدل داخل الأوساط الأوروبية بشأن اختلاف المقاربة البريطانية في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي عموما، في وقت تتجه فيه دول أوروبية عديدة إلى تشديد الرقابة على أنشطة الجماعة ومؤسساتها وشبكاتها الاجتماعية والثقافية والتعليمية.

وأعاد تقرير حديث للمرصد الأوروبي لمحاربة التطرف تسليط الضوء على هذه الفجوة المتنامية بين بريطانيا وعدد من شركائها الأوروبيين، محذرا من أن استمرار لندن في اعتماد مقاربة أكثر مرونة قد يثير تساؤلات متزايدة بشأن انعكاسات هذا النهج على الأمن الداخلي والتماسك المجتمعي.

ولا يتعلق الخلاف هنا بمجرد اختلاف في الوسائل القانونية أو الأمنية، بل يعكس تباينا أعمق في فهم طبيعة التهديد الذي يمثله الإسلام السياسي. ففي حين باتت أجهزة أمنية وحكومات أوروبية تنظر إلى جماعة الإخوان باعتبارها مشروعا سياسيا طويل الأمد يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق مرجعيات أيديولوجية دينية، لا تزال قطاعات داخل المؤسسة البريطانية تميز بين الإسلام السياسي غير العنيف والتنظيمات الجهادية المسلحة، وتتعامل معهما باعتبارهما ظاهرتين مختلفتين.

هذا التباين برز بوضوح خلال السنوات الأخيرة في ألمانيا وفرنسا والنمسا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، حيث انتقلت النقاشات من التركيز على مكافحة الإرهاب التقليدي إلى دراسة تأثير شبكات الإسلام السياسي داخل المؤسسات التعليمية والدينية والاجتماعية والبلدية.

خلافات داخل المؤسسات البريطانية بين من يرى الإخوان حاجزا أمام التطرف العنيف ومن يعتبرهم تهديدا للديمقراطية الليبرالية

وفي هذا السياق حذر سينان سيلن، المدير العام للمكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا، من أن جماعات الإسلام السياسي تسعى إلى التأثير التدريجي في المجال السياسي والمؤسسات العامة بهدف تغيير المجتمع على المدى البعيد.
ويعكس هذا التصور اتجاها متناميا داخل الأجهزة الأمنية الأوروبية يعتبر أن المشكلة لا تقتصر على العنف المباشر، بل تشمل أيضا المشاريع الأيديولوجية التي تعمل ضمن الأطر القانونية لتحقيق أهداف سياسية وثقافية بعيدة المدى.

وفي فرنسا، التي تخوض منذ سنوات مواجهة مفتوحة مع شبكات الإسلام السياسي، باتت السلطات أكثر استعدادا لاستخدام الأدوات القانونية والإدارية ضد المؤسسات التي تعتبرها مرتبطة بالإخوان. وجاء تأييد المحكمة الإدارية في مدينة نانت لقرار حظر الاجتماع السنوي لمسلمي غرب فرنسا ليعكس هذا التوجه المتشدد الذي أصبح يحظى بدعم سياسي وأمني واسع.

في المقابل تبدو بريطانيا أكثر تحفظا في تبني إجراءات مماثلة. ويعود ذلك إلى عوامل تاريخية وسياسية متعددة، من بينها تقاليد ليبرالية راسخة تمنح مساحة واسعة لحرية التنظيم والتعبير، فضلا عن إرث طويل من التعاون بين السلطات وبعض الفاعلين الإسلاميين في ملفات الاندماج المجتمعي ومكافحة التطرف العنيف.

وتستند هذه المقاربة إلى قناعة موجودة داخل بعض الدوائر الأمنية البريطانية مفادها أن من تصفهم بالإسلاميين غير العنيفين يمكن أن يشكلوا حاجزا أمام انتقال الشباب المسلمين إلى التنظيمات الجهادية الأكثر تطرفا مثل القاعدة وداعش. ومن هذا المنظور لا تنظر لندن إلى جميع التيارات الإسلامية بوصفها جزءا من المشكلة الأمنية نفسها.

لكن هذا التصور لا يحظى بإجماع داخل بريطانيا نفسها. فداخل حزب العمال ودوائر أكاديمية وإعلامية وسياسية مختلفة توجد أصوات ترى أن الفصل الحاد بين الإسلام السياسي غير العنيف والتطرف العنيف أصبح أقل إقناعا مما كان عليه في السابق، وأن بعض الحركات الإسلامية قد تساهم في إنتاج بيئات فكرية وثقافية تضعف قيم الديمقراطية الليبرالية حتى وإن لم تمارس العنف بصورة مباشرة.

ويعكس هذا الجدل البريطاني الداخلي تحولا أوسع تشهده أوروبا بشأن تعريف التهديدات الأمنية المعاصرة. فبعد سنوات من التركيز على مكافحة الإرهاب المسلح، بدأت الحكومات الأوروبية تمنح اهتماما أكبر لما تصفه بالتحديات المرتبطة بالتطرف غير العنيف، وتأثيره المحتمل في الهوية الوطنية والاندماج الاجتماعي واستقرار المؤسسات الديمقراطية.

من غير المستبعد أن تشهد السنوات المقبلة مزيدا من التقارب بين المواقف الأوروبية المختلفة إذا استمرت المخاوف الأمنية والسياسية الحالية في التصاعد

وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل التحولات الجارية على الجانب الآخر من الأطلسي، حيث تتبنى الإدارة الأميركية الحالية مقاربة أكثر تشددا تجاه جماعة الإخوان المسلمين. وتعتبر واشنطن أن الجماعة تمثل المرجعية الفكرية التي انبثق منها العديد من الحركات الجهادية الحديثة، وهو ما انعكس في سلسلة من الإجراءات والتصنيفات التي استهدفت بعض فروع الجماعة.

ومن منظور الإدارة الأميركية لا يمكن الفصل بصورة كاملة بين الإسلام السياسي والحركات الجهادية العنيفة، إذ ترى أن هناك امتدادات فكرية وأيديولوجية تربط بينهما، حتى وإن اختلفت الوسائل والأساليب. ولذلك أصبح ملف الإخوان جزءا من إستراتيجية أوسع لمكافحة الإرهاب والتطرف على المستوى الدولي.

غير أن هذا الطرح لا يحظى بإجماع داخل أوروبا. فبعض الحكومات الأوروبية تتبنى مواقف أكثر حذرا، خشية أن يؤدي توسيع نطاق التصنيفات والإجراءات الاستثنائية إلى إشكالات قانونية وسياسية معقدة. كما أن التفاوت في أوضاع الجاليات المسلمة بين دولة وأخرى يجعل من الصعب تبني سياسة أوروبية موحدة تجاه الإسلام السياسي.

ورغم ذلك يبدو الاتجاه العام داخل القارة متجها نحو المزيد من التدقيق والرقابة على شبكات الإخوان ومؤسساتهم، خصوصا مع تنامي المخاوف من قدرتهم على توسيع نفوذهم داخل الفضاءات التعليمية والدينية والاجتماعية.

وفي ضوء هذه التطورات تبدو بريطانيا أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تحرص الحكومات المتعاقبة على الحفاظ على التقاليد الليبرالية التي تميز النظام السياسي البريطاني، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطا متزايدة من شركائها الأوروبيين ومن أصوات داخلية تطالب بإعادة تقييم الافتراضات التي حكمت العلاقة مع الإسلام السياسي خلال العقود الماضية.

ولذلك فإن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بجماعة الإخوان المسلمين، بل يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية تعامل الديمقراطيات الغربية مع الحركات الأيديولوجية التي تعمل داخل الإطار القانوني لكنها تطرح في الوقت ذاته تصورات سياسية وثقافية تتعارض مع المبادئ الليبرالية السائدة.

ومن غير المستبعد أن تشهد السنوات المقبلة مزيدا من التقارب بين المواقف الأوروبية المختلفة إذا استمرت المخاوف الأمنية والسياسية الحالية في التصاعد. أما بريطانيا فتجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لمقاربة طالما ميزتها عن بقية أوروبا، لكنها باتت تواجه ضغوطا متزايدة لإعادة النظر في أسسها وحدودها.

أكثر من نصف سكان سوريا يعانون من انعدام حاد للأمن الغذائي


لحج تغرق في الظلام لليوم الثاني عقب ايقاف شركة الطاقة المشتراة التوليد في محطة عباس


الضالع تشيّع ضحايا فاجعة الريبي والمحافظ يدعو إلى تكثيف جهود نزع الألغام


محافظ شبوة يدشن مخيم "إبصار" المجاني لعلاج أمراض العيون