تقارير وحوارات
اغتيال يحيى وحيش.. وجه آخر للفوضى التي صنعتها الرياض في اليمن
تكشف عملية اغتيال القيادي في المقاومة الوطنية، وقائد فرقتها الأولى يحيى وحيش عن تطور بالغ الخطورة في المشهد اليمني، إذ لا تبدو الحادثة مجرد جريمة جنائية معزولة بقدر ما تمثل مؤشراً واضحاً على مسار يستهدف تفكيك بنية المقاومة الوطنية وإنهاء قياداتها الميدانية والسياسية بصورة ممنهجة.
إن اغتيال وحيش يأتي في سياق تصاعد الضغوط والاستهدافات التي تطال القوى الوطنية المناهضة للحوثيين، الأمر الذي يثير مخاوف حقيقية من وجود مشروع أوسع لإضعاف هذه القوى وتجريدها من قياداتها الفاعلة، تمهيداً لإعادة تشكيل موازين القوى على الأرض بما يخدم أجندات سياسية سعودية وحزبية إخوانية ضيقة.
كما أن حالة التقاطع والتلاقي في المصالح بين جماعة الحوثي وتنظيم الإخوان المسلمين - حزب الإصلاح - ضد المقاومة الوطنية باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وهو تقاطع انعكس في الحملات السياسية والإعلامية والاستهدافات المتكررة التي تعرضت لها قيادات المقاومة خلال المراحل الأخيرة، ما يطرح تساؤلات جدية حول الجهات المستفيدة من إضعاف القوى الوطنية التي قدمت تضحيات جسيمة في مواجهة المشروع الحوثي.
وينظر إلى اغتيال يحيى وحيش باعتباره تتويجاً لمسار من التآمر السياسي والأمني ضد المقاومة الوطنية، في وقت كان الرجل يمثل أحد الكوادر الوطنية التي ساهمت في معارك التحرير وقدمت جهوداً كبيرة في مواجهة الحوثيين، الأمر الذي يجعل من استهدافه رسالة تتجاوز شخصه إلى مجمل قيادات المقاومة الوطنية.
تتحمل المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية المسؤولية المباشرة عن حالة التراجع والانفلات الأمني التي تشهدها المناطق المحررة، من محافظات الجنوب وصولاً إلى الساحل الغربي، في ظل استمرار الاختلالات الأمنية وعجز الأجهزة المعنية عن منع عمليات الاغتيال أو كشف الجهات المنظمة والمنفذة لها.
كما أن استمرار هذا الواقع الأمني الهش يفتح المجال أمام مزيد من عمليات التصفية والاستهداف، ويهدد بتقويض ما تبقى من القوى المناهضة للحوثيين، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على مستقبل المعركة الوطنية برمتها.
إن حادثة اغتيال يحيى وحيش لا يمكن التعامل معها كواقعة منفصلة، بل كجرس إنذار خطير يكشف حجم المخاطر المحدقة بالمقاومة الوطنية وقياداتها، ويؤكد الحاجة الملحة إلى تحقيق شفاف وكشف الجهات المتورطة، ومحاسبة المسؤولين عن التدهور الأمني الذي بات يحصد أرواح القيادات الوطنية تباعاً.
لا يمكن فصل اغتيال يحيى وحيش عن المشهد الأمني والسياسي الذي تشكل خلال الأشهر الأخيرة تحت إدارة ورعاية القوى المتحكمة بالملف اليمني، فبعد أكثر من عقد من التدخل السعودي في اليمن، لم تنجح الرياض في بناء منظومة أمنية مستقرة أو مؤسسات دولة قادرة على حماية المواطنين والقيادات الوطنية، بل اتسعت رقعة الفوضى والاغتيالات والانقسامات من الجنوب حتى الساحل الغربي، وأصبحت المناطق المحررة تعاني هشاشة أمنية غير مسبوقة.
كما أن السياسات السعودية القائمة على إدارة الصراعات وتغذية الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين، إلى جانب غض الطرف عن تحركات بعض العناصر والتنظيمات المتطرفة والاستفادة منها في صراعات النفوذ، أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إضعاف الجبهة الوطنية وتآكل منظومة الأمن والاستقرار.
وفي الوقت الذي كان يفترض فيه توجيه الجهود نحو تعزيز القوى الوطنية التي واجهت الحوثيين وقدمت التضحيات، جرى استنزاف هذه القوى وإغراقها في صراعات جانبية خدمت خصومها أكثر مما خدمت معركة استعادة الدولة.
إن اغتيال يحيى وحيش لا يمثل خسارة لقائد ميداني فحسب، بل يكشف حجم الفشل الذي وصلت إليه إدارة الملف الأمني والعسكري في المناطق المحررة، ويؤكد أن استمرار النهج القائم لن يقود إلا إلى مزيد من الفوضى وتصفية القيادات الوطنية، الأمر الذي يهدد مستقبل القوى المناهضة للحوثيين ويضع اليمن أمام مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة مما هي عليه اليوم.