اخبار الإقليم والعالم
خمسة أمور غير مرجحة يجب أن تحدث لكي تصبح الدولة الفلسطينية ممكنة
يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تنضم المملكة العربية السعودية ودول أخرى في الشرق الأوسط إلى اتفاقيات أبراهام الموقعة عام 2020، أي الاعتراف الرسمي بإسرائيل، كجزء من أي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. غير أن السعودية لا تبدي اهتماماً بذلك، إذ لطالما اشترطت وجود خارطة طريق واضحة نحو إقامة دولة فلسطينية قبل الانضمام إلى هذه الاتفاقيات.
ويعيد هذا الأمر تسليط الضوء على إحدى أهم القضايا التي حجبتها الحرب مع إيران، وهي البحث المستمر منذ عقود عن تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وبغض النظر عن اتفاقيات أبراهام، فإن هذه القضية ستعود حتماً إلى الواجهة بإلحاح أكبر عندما تنتهي الحرب الإيرانية في نهاية المطاف.
ومن المفيد التفكير منذ الآن فيما إذا كان تحقيق هذا الهدف ممكناً وكيف يمكن الوصول إليه.
وأثبت هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل أنه عصيّ على التحقيق بالنسبة لكل رئيس أميركي حاول الدفع باتجاهه.
وحتى الاقتراب من تحقيقه كان يتطلب توافر مجموعة معقدة من الظروف في الوقت نفسه: ضبط مشاعر العداء التاريخية، وإدارة الحسابات السياسية الداخلية المعقدة، والمخاطرة بالثقة في الطرف الآخر، والاستعداد للأزمات التي تكاد تكون حتمية عندما يصبح الاتفاق قريب المنال.
ومع ذلك، عندما يُسأل قادة العالم عن الحل، فإنهم غالباً ما يعودون إلى خيار "حل الدولتين".
ويعود ذلك جزئياً إلى أن الأطراف اقتربت أحياناً من تحقيقه، ولا سيما خلال مفاوضات 1999-2000 عندما بدا أن إسرائيل والولايات المتحدة والقيادة الفلسطينية على وشك التوصل إلى اتفاق.
ولا يزال الجدل قائماً حول أسباب الفشل آنذاك. فقد رأى كثير من الخبراء أن العرض الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك، والذي تضمن 92 في المئة من الضفة الغربية وكامل قطاع غزة، كان أفضل عرض يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون.
ويعتقد مراقبون أن الانهيار حدث أساساً بسبب الخلاف حول السيادة في القدس، إضافة إلى عجز الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن تقديم مقترحات تفاوضية جادة. فقد لم يتمكن من الانتقال من دور القائد الثوري إلى رجل الدولة.
فهل يمكن أن يتحقق هذا الهدف في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية؟ ربما، لكن ذلك يتطلب حدوث خمسة أمور على الأقل، تزداد صعوبتها تدريجياً، وأن تتحقق جميعها تقريباً في الوقت نفسه.
أولاً: يجب أن تصمد اتفاقات وقف إطلاق النار في إيران وغزة، وأن يتقدم تنفيذ خطة ترامب للسلام في غزة التي أُطلقت في سبتمبر/أيلول. وتنص المرحلة الثانية من الخطة على انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، ونزع سلاح حركة حماس، وإعادة إعمار غزة، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار بدعم من قوة شرطة فلسطينية.
غير أن العقبات كثيرة، أبرزها ضعف حماسة الدول المرشحة للمشاركة في القوة الدولية، وعدم اكتمال الانسحاب الإسرائيلي، والأهم رفض حماس التخلي عن سلاحها. ومع بقاء غزة منطقة قابلة للاشتعال، سيكون من الصعب العثور على متطوعين للمشاركة في قوة الاستقرار.
ثانياً: تحتاج إسرائيل إلى حكومة جديدة. فحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحالية ذات التوجه اليميني المتشدد تعارض بشدة نموذج الدولتين، ومن غير المرجح أن تؤيده بشكل جدي. كما تواصل الحكومة توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وهي سياسة قال الوزير المسؤول عنها إنها تهدف إلى "دفن فكرة الدولة الفلسطينية".
ومن المقرر إجراء انتخابات إسرائيلية خلال عام 2026، وهي انتخابات يصعب التنبؤ بنتائجها. لكن شعبية ترامب في إسرائيل، التي تصل وفق بعض الاستطلاعات إلى 69 في المئة، قد تمنحه قدرة على التأثير في مسارها. وأي حكومة جديدة ستحتاج إلى وقف التوسع الاستيطاني والبدء في تقليص المستوطنات القائمة.
بغض النظر عن اتفاقيات أبراهام، فإن هذه القضية الفلسطينية ستعود حتماً إلى الواجهة بإلحاح أكبر عندما تنتهي الحرب الإيرانية في نهاية المطاف.
وفي عام 1999 كانت المستوطنات تشغل نحو 2 في المئة فقط من مساحة الضفة الغربية، بينما تبلغ اليوم نحو 6 بالمئة، ويقطنها أكثر من 700 ألف إسرائيلي مقارنة بـ176 ألفاً فقط عام 1999. ولم تعد الضفة الغربية أرضاً متصلة جغرافياً بالقدر الذي يسمح بسهولة بإقامة دولة قابلة للحياة.
ثالثاً: يحتاج الفلسطينيون إلى حكومة شرعية تحظى بدعم واسع وتتمتع بالكفاءة، وهو ما يفتقرون إليه حالياً. فلم تُجر انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2006، كما تنقسم الساحة الفلسطينية بين بقايا حركة حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بقيادة محمود عباس البالغ من العمر 90 عاماً.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 80 في المئة من الفلسطينيين في الضفة الغربية يريدون استقالة عباس، بينما يعتبر كثيرون أن مروان البرغوثي، المعتقل في إسرائيل منذ عام 2004، هو الشخصية الفلسطينية الأكثر شعبية.
والخلاصة أن الفلسطينيين لا يستطيعون إقامة دولة ما لم يكن لديهم طرف يتمتع بشرعية كافية للتفاوض باسمهم. فعلى الرغم من كل الانتقادات التي وجهت إلى عرفات، فإنه كان قادراً عام 2000 على الادعاء بأنه يمثل أغلبية الفلسطينيين، وهو أمر لا يستطيع أي شخص القيام به اليوم.
رابعاً: يحتاج الطرفان إلى فترة لبناء الثقة قبل استئناف أي مفاوضات جدية حول حل الدولتين. فقد جاءت مفاوضات 1999-2000 بعد تعاون أمني بين الأجهزة الفلسطينية والإسرائيلية، وإظهار استعداد لمواجهة عناصر حماس المسلحة.
ولعبت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك دور الوسيط النزيه من خلال اجتماعات ثلاثية منتظمة، كما قدمت الولايات المتحدة تدريباً لمكافحة الإرهاب للأجهزة الفلسطينية. وسيكون أول اختبار لإمكانية إعادة بناء هذه الثقة هو قدرة الفلسطينيين على تشكيل قوة أمنية موثوقة في قطاع غزة.
خامساً: يجب أن يصبح هذا الملف من أولويات الإدارة الأميركية، وأن يقوده مسؤول رفيع يتمتع بخط اتصال مباشر مع البيت الأبيض، ويعمل معه فريق متخصص ومتفرغ يمتلك خبرة عميقة بتاريخ وثقافة الصراع.
فإذا تُرك الوضع ليتطور من تلقاء نفسه، فإن العوامل الديموغرافية ستفرض نفسها. ففي نهاية العقد الماضي بدأ عدد الفلسطينيين والعرب داخل إسرائيل يتجاوز عدد اليهود الإسرائيليين.
ومن دون دفع قوي نحو حل الدولتين، ستتجه الأمور إما نحو دولة واحدة يصعب تصورها عملياً، أو إلى استمرار الوضع القائم، حيث يعيش الإسرائيليون في حالة تأهب دائم، بينما يزداد الاحتقان الفلسطيني، بما يبقي المنطقة على حافة حرب جديدة باستمرار.
ورغم كل هذه العقبات، يظل الاستمرار في السعي نحو هذا الهدف أمراً ضرورياً. وعندما تهدأ تداعيات الحرب الإيرانية، سيكون على أحد في واشنطن أن يعيد فتح هذا الملف من جديد.
وتبقى إقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل تبقى الخطوة الأكثر قدرة على تقليص دوافع الصراع في المنطقة، وتعزيز التطبيع بين العرب والإسرائيليين، وتمكين الولايات المتحدة من تقليص انخراطها المباشر في الشرق الأوسط والتركيز على أولويات أخرى. ورغم أن هذا الهدف قد يكون من أصعب التحديات في السياسة الخارجية الأميركية، فإنه يبقى أيضاً من أكثرها أهمية وتأثيراً.