اخبار الإقليم والعالم
واشنطن تلوّح بمعاقبة حلفاء الناتو بسبب حرب إيران
تكشف المعطيات المتداولة داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة عن تصاعد غير مسبوق في حدة التوتر بين واشنطن وبعض حلفائها في حلف شمال الأطلسي، على خلفية ما تعتبره الإدارة الأميركية تقاعسًا أو ترددًا في دعم عملياتها العسكرية خلال الحرب مع إيران.
وفي مؤشر لافت على عمق هذا التوتر، أظهرت رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن واشنطن تدرس خيارات متعددة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف، في خطوة قد تعيد رسم ملامح العلاقات داخل التحالف الغربي.
وبحسب مسؤول أميركي مطلع، فإن المذكرة الداخلية تعكس “خيبة أمل” واضحة من موقف بعض الدول التي امتنعت عن تقديم تسهيلات عسكرية أساسية، مثل حقوق الوصول والتمركز والعبور الجوي، وهي أمور تعتبرها واشنطن الحد الأدنى من متطلبات الشراكة داخل الناتو.
ويشير ذلك إلى أن الخلاف لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تطور إلى أزمة ثقة تهدد أحد أقدم التحالفات العسكرية في العالم.
ولا تقتصر الخيارات المطروحة داخل البنتاغون على الضغط السياسي، بل تمتد إلى إجراءات قد تكون غير مسبوقة في تاريخ الحلف.
ومن بين هذه الخيارات تعليق عضوية دول “صعبة المراس” من مناصب مؤثرة داخل الناتو، في محاولة لمعاقبتها على ما يُنظر إليه كعدم التزام جماعي.
كما تتضمن المقترحات مراجعة مواقف أميركية حساسة، مثل دعم مطالب بريطانية تتعلق بجزر فوكلاند، وهو ما يعكس استعداد واشنطن لاستخدام ملفات جيوسياسية أوسع كورقة ضغط على الحلفاء.
وتأتي هذه التطورات في سياق انتقادات حادة وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرارًا لحلفاء بلاده، حيث عبّر عن استيائه من عدم مشاركة دول أوروبية في جهود فتح مضيق هرمز، الذي يشكل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية.
من بين هذه الخيارات تعليق عضوية دول “صعبة المراس” من مناصب مؤثرة داخل الناتو ومراجعة مواقف أميركية حساسة، مثل دعم مطالب بريطانية تتعلق بجزر فوكلاند.
وقد ذهب ترامب إلى حد التلميح بإمكانية إعادة النظر في عضوية الولايات المتحدة في الحلف، في تصريحات أثارت قلقًا واسعًا في الأوساط السياسية والدبلوماسية الأوروبية.
ورغم أن الرسالة الداخلية لا تشير صراحة إلى خطوات تنفيذية فورية، ولا تتضمن مقترحات بإغلاق قواعد أميركية في أوروبا، فإن مجرد تداول هذه الخيارات على مستويات عالية داخل البنتاغون يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي الأميركي.
وبدلًا من التعامل مع الناتو كتحالف ثابت قائم على التزامات متبادلة، يبدو أن واشنطن بدأت تنظر إليه من زاوية أكثر براغماتية، تربط الدعم بالتجاوب مع أولوياتها الأمنية.
وفي المقابل، يثير هذا النهج مخاوف متزايدة لدى الحلفاء الأوروبيين من احتمال تراجع الالتزام الأميركي بأمن القارة. فقد حذر محللون ودبلوماسيون من أن الضغوط الأميركية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد تدفع بعض الدول إلى إعادة تقييم اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، أو السعي إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل مستقل.
كما أن الحرب مع إيران كشفت عن تباينات عميقة داخل الحلف بشأن كيفية التعامل مع الأزمات الدولية.
وفي حين ترى واشنطن أن المواجهة مع طهران تمثل أولوية استراتيجية تتطلب دعمًا جماعيًا، تتبنى بعض الدول الأوروبية مقاربة أكثر حذرًا، تفضل تجنب الانخراط في صراعات قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع أو تهدد مصالحها الاقتصادية.
ويعكس هذا التباين اختلافًا في تعريف التهديدات والأولويات بين ضفتي الأطلسي، وهو ما يضعف من تماسك الحلف في لحظة حساسة. فالناتو، الذي تأسس قبل أكثر من سبعة عقود كتحالف دفاعي في مواجهة تهديدات مشتركة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرته على التكيف مع واقع دولي أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكز القوة.
وفي هذا السياق، تبدو التهديدات الأميركية بمعاقبة الحلفاء بمثابة رسالة مزدوجة: فهي من جهة محاولة للضغط من أجل تعزيز الالتزام الجماعي، ومن جهة أخرى تعبير عن استياء عميق من بنية التحالف الحالية. غير أن هذا الأسلوب قد يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بدلًا من معالجتها، خاصة إذا ما فُهم على أنه تقويض لمبدأ الشراكة المتكافئة.
ومع استمرار الحرب مع إيران وتداعياتها الإقليمية والدولية، يبقى مستقبل العلاقات داخل الناتو مفتوحًا على عدة احتمالات. فقد تنجح الضغوط الأميركية في دفع بعض الدول إلى إعادة النظر في مواقفها وتقديم دعم أكبر، ما يعزز من تماسك الحلف على المدى القصير. لكن في المقابل، قد يؤدي التصعيد السياسي إلى إضعاف الثقة بين الحلفاء، وفتح الباب أمام تحولات أعمق في بنية التحالف.
وتعكس الأزمة الحالية لحظة مفصلية في تاريخ الناتو، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية، وتبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة الالتزامات المتبادلة بين أعضائه.
وبينما تلوّح واشنطن بخيارات عقابية غير مسبوقة، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية الحفاظ على تماسك التحالف في عالم يشهد تحولات متسارعة، دون أن يتحول الضغط إلى عامل تفكك يهدد وجوده ذاته.