اخبار الإقليم والعالم
جولة ثانية من محادثات لبنان وإسرائيل وسط مساعٍ لتمديد الهدنة
تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية واشنطن الخميس، حيث تنعقد جولة ثانية من المحادثات بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، في محاولة جديدة لاحتواء التصعيد وتثبيت وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيّز التنفيذ قبل أيام.
وتأتي هذه الجولة في لحظة دقيقة، مع اقتراب انتهاء مهلة الهدنة الحالية، ما يدفع بيروت إلى طرح مطلب واضح يتمثل في تمديدها لمدة شهر إضافي، على أمل خلق مساحة زمنية تسمح بتهدئة ميدانية أوسع، وفتح الباب أمام مسار تفاوضي أكثر استقراراً.
المحادثات الجديدة لا تنفصل عن سياقها السياسي والعسكري المعقّد، إذ تشكّل امتداداً لجولة أولى وُصفت بالتاريخية، كونها أول لقاء مباشر بين الطرفين منذ عام 1993، رغم استمرار حالة الحرب الرسمية بينهما منذ عام 1948.
وبينما عُدّ انعقاد الجولة الأولى بحد ذاته مؤشراً على تحول نسبي في قواعد الاشتباك، فإن الجولة الثانية تبدو اختباراً حقيقياً لقدرة هذا المسار على الصمود، في ظل استمرار التوترات على الأرض.
وفي هذا السياق، تسعى الحكومة اللبنانية إلى تثبيت وقف إطلاق النار كأولوية قصوى، مدفوعة بحجم الخسائر التي تكبّدها لبنان جراء الحرب الأخيرة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 2400 شخص ونزوح أكثر من مليون.
ويُنظر إلى تمديد الهدنة كضرورة إنسانية وأمنية في آن، تتيح عودة تدريجية للنازحين، وتخفف من حدة الضربات الإسرائيلية التي لم تتوقف بالكامل رغم سريان وقف النار.
غير أن هذا المسعى يصطدم بواقع ميداني لا يزال بعيداً عن الاستقرار. فإسرائيل تواصل تنفيذ غارات جوية وعمليات عسكرية تقول إنها تستهدف عناصر من حزب الله يخططون لهجمات ضدها، مستندة إلى بند “حق الدفاع عن النفس” الوارد في نص اتفاق الهدنة.
كما تواصل عمليات التفجير والهدم في قرى حدودية، وتمنع سكانها من العودة، ما يعمّق الشعور اللبناني بأن الهدنة تُنتهك بشكل ممنهج.
وفي المقابل، يرد حزب الله بتنفيذ عمليات ضد الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى استهداف مواقع في شمال إسرائيل، معتبراً أن هذه العمليات تأتي في إطار الرد على الخروقات.
ويضع هذا التبادل المستمر للضربات المحادثات في موقع حرج، إذ يجري التفاوض بينما الوقائع الميدانية تتحرك في اتجاه معاكس، ما يحدّ من فرص تحقيق اختراق سريع.
كما يعكس استمرار العمليات العسكرية غياب الثقة بين الطرفين، وهو عامل أساسي يثقل كاهل أي مسار تفاوضي، خاصة في ظل تاريخ طويل من المواجهات وعدم الاستقرار.
يُنظر إلى تمديد الهدنة كضرورة إنسانية وأمنية في آن، تتيح عودة تدريجية للنازحين، وتخفف من حدة الضربات الإسرائيلية التي لم تتوقف بالكامل رغم سريان وقف النار.
وفي موازاة ذلك، تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط الأساسي، محاولةً الحفاظ على توازن دقيق بين احتواء التصعيد ودفع الأطراف نحو التفاوض.
ويعكس الحضور الدبلوماسي الرفيع في هذه الجولة إدراكاً أميركياً لأهمية اللحظة، ليس فقط على صعيد العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل أيضاً ضمن سياق إقليمي أوسع يتأثر بتداعيات الحرب مع إيران. فواشنطن تسعى إلى منع اتساع رقعة المواجهة، وتثبيت جبهات التوتر ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، ما يجعل من نجاح هذه المحادثات أولوية استراتيجية.
ومع ذلك، تبقى قدرة الولايات المتحدة على فرض حلول محدودة، في ظل تعقيدات المشهد الداخلي في لبنان، والتباينات العميقة في أولويات الطرفين. فلبنان يركز على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية بشكل كامل، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي لا تزال تتمركز فيها، بينما تضع إسرائيل مسألة مواجهة حزب الله في صلب أي تفاهم، معتبرة أنه العائق الرئيسي أمام تحقيق الاستقرار أو التقدم نحو أي شكل من أشكال السلام.
وتبرز هنا عقدة حزب الله كأحد أبرز التحديات التي تواجه المحادثات، إذ يرفض الحزب هذه العملية التفاوضية، ولا يشارك فيها بشكل مباشر، ما يطرح تساؤلات حول مدى قابلية أي اتفاق محتمل للتنفيذ على الأرض. فغياب أحد أبرز الفاعلين في المعادلة الأمنية يضعف من فرص ترجمة التفاهمات السياسية إلى واقع عملي، ويجعل أي هدنة عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الجولة الثانية من محادثات واشنطن أقرب إلى محاولة لإدارة الأزمة بدلاً من حلّها جذرياً. فتمديد الهدنة، إذا تحقق، سيمنح الأطراف وقتاً إضافياً لاحتواء التوتر، لكنه لن يعالج جذور الصراع المرتبطة بتوازنات إقليمية معقدة، ولا سيما العلاقة بين إسرائيل وإيران، ودور حزب الله في هذه المعادلة.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية استمرار الحوار، حتى وإن كان محدود النتائج. فالحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة بين لبنان وإسرائيل، ولو عبر وساطة أميركية، يشكّل بحد ذاته تطوراً مهماً في مسار العلاقة بينهما، وقد يفتح المجال تدريجياً أمام ترتيبات أمنية أكثر استدامة، إذا ما توفرت الظروف المناسبة.
وتقف هذه المحادثات عند مفترق طرق دقيق، حيث يتقاطع المسار الدبلوماسي مع واقع ميداني متقلب.
وبينما تأمل بيروت في كسب مزيد من الوقت عبر تمديد الهدنة، تسعى إسرائيل إلى تثبيت معادلة أمنية تقيّد تحركات خصومها، في حين تحاول واشنطن منع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وبين هذه الأهداف المتباينة، يبقى مصير الهدنة معلقاً على قدرة الأطراف على ترجمة الحد الأدنى من التفاهمات إلى التزامات فعلية، وهو اختبار لم تُحسم نتائجه بعد.