منوعات
عشّ من ألياف الموت.. وجه آخر للحرب في أوكرانيا
لفي مشهد نادر تختلط فيه قسوة الحرب بدهشة الطبيعة، تحولت صورة التقطها جندي أوكراني على خطوط المواجهة إلى قصة تتجاوز حدود الحدث العسكري، لتلامس الفن والبيئة وحرب المعلومات في آن واحد.
ففي يونيو/حزيران الماضي، عثر الجندي يوري كوخان، خلال مهمة ميدانية قرب خزان مائي شمال مدينة توريتسك، على عش طائر غير مألوف، بدا للوهلة الأولى كأي عش مهجور، قبل أن يكشف عن تفاصيل أكثر إثارة: خيوط دقيقة لامعة من كابل ألياف ضوئية، من بقايا طائرة مسيّرة، منسوجة بإتقان داخل بنية العش، بحسب صحيفة «التايمز».
كوخان، وهو مهندس مدني سابق انضم إلى القوات الخاصة الأوكرانية، رأى في ذلك المشهد أكثر من مجرد مصادفة بيئية. بالنسبة له، كان العش تجسيداً لقدرة الطبيعة على التكيف القسري مع بيئة مشبعة بالتكنولوجيا القاتلة.
فمع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة المزوّدة بكابلات ألياف ضوئية منذ مطلع عام 2024، تحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغابات إلى ما يشبه شبكة عنكبوتية من الخيوط الشفافة، تمتد أحياناً لعشرات الكيلومترات.
عش من الألياف
هذه الطائرات، التي تُستخدم لأغراض المراقبة والهجوم، تعتمد على كابلات تنقل بثاً مباشراً عالي الدقة، متجاوزة بذلك أنظمة التشويش الإلكتروني.
غير أن كل مهمة تترك خلفها أثراً بيئياً معقداً؛ إذ تتراكم هذه الألياف فوق الأشجار والمباني، مُهددة الكائنات الحية بطرق لم تُدرس بعد بشكل كافٍ، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن الطائرات المسيّرة باتت مسؤولة عن نحو 70 إلى 80% من الخسائر البشرية في الحرب.
الطبيعة تحت نيران التكنولوجيا
ومع حلول موسم بناء الأعشاش، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الألياف إلى فخ قاتل للطيور، خصوصاً الفراخ حديثة الولادة التي قد تتشابك بها. ويحذر خبراء البيئة من أن التأثير الكامل لهذه الظاهرة لن يتضح إلا بعد سنوات، في ظل صعوبة إجراء دراسات ميدانية على خطوط القتال.
ولا تقتصر المخاطر على الألياف وحدها، إذ تشكل الشباك الدفاعية المضادة للطائرات المسيّرة تهديداً إضافياً للطيور، حيث وثّق جنود أوكرانيون محاولات متكررة لإنقاذ طيور عالقة بها، في لحظات إنسانية نادرة وسط أجواء الحرب.
من لقطة عابرة إلى رمز عالمي للصراع
لم تبقِ صورة العش في إطارها المحلي طويلاً، فبعد نشرها عبر قنوات عسكرية، سرعان ما انتشرت على نطاق واسع، لتقع أيضاً ضحية لحرب التضليل الإعلامي، حيث أعادت حسابات روسية نشرها بعد حذف أي دلالة على مصدرها، ونسبتها إلى جندي روسي، في محاولة لإعادة صياغة الرواية.
لكن الرحلة الأكثر إثارة للصورة كانت في اتجاه مختلف تماماً. فقد لفتت انتباه باحثين وفنانين في بريطانيا، لتتحول إلى لوحة فنية ضمن مشروع يوثق كيفية استخدام الطيور لمخلفات الحروب عبر التاريخ.
وفي هذا السياق، بدا العش الأوكراني امتداداً لسجل طويل من تفاعل الطبيعة مع النزاعات البشرية، لكن بوجه أكثر قتامة، حيث تمتزج رمزية الحياة في العش مع مادة صُممت أساساً للقتل.
كوخان نفسه لم يكن يدرك أن تلك اللحظة العابرة ستصبح رمزاً متعدد الدلالات. وبعد أشهر قليلة من التقاط الصورة، فقد ذراعه اليسرى إثر إصابته بشظية مدفعية خلال معارك جنوب توريتسك. لاحقاً، علّق بسخرية مريرة: "لم يتبق من تلك الصورة شيء... لا العش ولا اليد".
ورغم ذلك، يرى في العش معنى أعمق يتجاوز المأساة الشخصية. بالنسبة له، يشبه ذلك العش سكان القرى الأوكرانية الذين يرفضون مغادرة منازلهم رغم الخطر، متمسكين بأرضهم كما يتمسك الطائر بعشه، مهما كانت الظروف.