اخبار الإقليم والعالم
3 مسارات محتملة.. النظام الدولي في عقد التحولات
بعد عقدٍ من الآن، لن يكون العالم كما نعرفه اليوم. فالنظام الدولي الذي تشكّل بقيادة دونالد ترامب يمرّ بمرحلة انتقالية مضطربة، تذكّر بما
وصفه الفيلسوف أنطونيو غرامشي قبل قرن: عالم قديم يحتضر وآخر جديد في مرحلة المخاض.
هذا “العالم القديم"، بحسب مجلة "فورين بوليسي"، يتمثل في النظام الذي أسسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ووسعته عقب الحرب الباردة، ليقود حقبة من السلام النسبي والازدهار الاقتصادي.
قاليباف وسيط الظل بين إيران وأمريكا..إسرائيل بين الترقب واستغلال الوقت
غير أن هذا النظام يواجه تحديات غير مسبوقة؛ فبينما تعمل قوى كبرى مثل الصين وروسيا على تقويضه، تبدو واشنطن نفسها أقل التزامًا بالدفاع عنه، بل وأحيانًا جزءًا من عملية تفكيكه.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال محوري: كيف سيبدو العالم بعد انتهاء هذه المرحلة الانتقالية؟
السيناريو الأول: عالم منقسم إلى كتلتين
أحد أبرز الاحتمالات هو عودة العالم إلى نمط ثنائي القطبية، شبيه بفترة الحرب الباردة، حيث تتصارع كتلتان رئيسيتان تقودهما واشنطن وبكين.
في هذا السيناريو، تتشكل تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية متقابلة، مع تصاعد استخدام العقوبات وسلاسل الإمداد كأدوات للصراع الجيوسياسي.
لكن الفارق الجوهري عن الحرب الباردة السابقة يتمثل في القوة الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة التي تمتلكها الصين اليوم، ما يمنحها أدوات نفوذ تتجاوز بكثير ما كان متاحًا للاتحاد السوفياتي آنذاك.
وفي هذا العالم، تتحول مناطق التوتر مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي إلى خطوط تماس ساخنة، حيث يصبح أي احتكاك ممكنًا أن يشعل مواجهة أوسع.
السيناريو الثاني: عالم مناطق النفوذ
الاحتمال الثاني يتمثل في تفكك النظام العالمي إلى عدة “إمبراطوريات” أو مناطق نفوذ إقليمية. في هذا العالم، لا تهيمن قوتان فقط، بل تتقاسم عدة قوى كبرى المجال الدولي، حيث تسعى كل دولة لفرض سيطرتها في محيطها الجغرافي.
في هذا الإطار، قد تعزز الصين نفوذها في آسيا، وتوسع روسيا حضورها في أوروبا الشرقية، فيما تتحرك قوى إقليمية صاعدة مثل الهند وتركيا وإيران لترسيخ نفوذها في محيطها.
أما الولايات المتحدة، فقد تميل إلى التركيز على نصف الكرة الغربي، في تحول يعكس نزعة نحو الانكفاء الاستراتيجي بعد عقود من التدخل العالمي.
لكن هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر كبيرة، أبرزها تآكل القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، وتحول العلاقات بين الدول إلى معادلات قوة صِرفة، حيث تفرض الدول الكبرى قواعدها على الدول الأضعف دون رادع.
السيناريو الثالث: عالم الفوضى والاعتماد على الذات
أما السيناريو الأكثر قتامة، فهو انزلاق النظام الدولي إلى حالة من الفوضى الشاملة، حيث تتخلى القوى الكبرى عن دورها في حفظ الاستقرار، وتتبنى سياسات أكثر عدوانية وأنانية.
في هذا العالم، تصبح كل دولة مسؤولة عن أمنها بمفردها، ما يدفع إلى سباقات تسلح متسارعة وانتشار أوسع للأسلحة النووية. وتتصاعد النزاعات الإقليمية، وقد يصبح "اختفاء الدول" أو تفككها أمرًا أكثر شيوعًا، كما توحي به بعض ملامح الصراعات الحالية في أوكرانيا ومناطق أخرى.
وفي غياب قيادة دولية فاعلة، تتحول العلاقات الدولية إلى غابة يسود فيها قانون الأقوى.
الولايات المتحدة بين ثلاثة مسارات
رغم هذا الغموض، تظل الولايات المتحدة اللاعب الأكثر تأثيرًا في تحديد ملامح المرحلة المقبلة. فخياراتها الاستراتيجية - سواء بالاستمرار في قيادة تحالف ديمقراطي، أو الانكفاء نحو الداخل، أو تبني سياسات أكثر عدوانية - ستحدد إلى حد كبير أي من هذه السيناريوهات سيتحقق.
وقد أظهرت سياسات دونالد ترامب، خلال ولايتيه، ملامح متباينة من هذه الاتجاهات الثلاثة، ما يعكس حالة السيولة التي يعيشها النظام الدولي. فبعض سياساته سعت إلى إعادة تشكيل التحالفات على أسس جديدة.
وتخلص المجلة إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، بغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق. فحتى أفضل الاحتمالات - عالم منقسم إلى كتلتين - يحمل في طياته صراعات حادة وتنافسًا محتدمًا.
ومع احتضار النظام القديم، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستتمكن القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، من إدارة هذا التحول نحو نظام جديد قابل للاستقرار، أم أن العالم مقبل على مرحلة طويلة من الفوضى والصراع، حيث يصبح التحول نفسه مصدرًا للتهديدات التي طالما عملت المؤسسات الدولية على احتوائها؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف، إلى حد كبير، على الخيارات التي ستتخذها العواصم الكبرى في السنوات القليلة المقبلة، في لحظة قد تحدد مسار التاريخ لعقود قادمة.