هل تفي سوريا بوعودها في تسهيل تحقيق الأممي في انتهاكات الماضي
أعلنت الحكومة السورية الجديدة عن ترحيبها بقرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الداعي إلى التحقيق في الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال 13 عاماً من الحرب الأهلية تحت حكم الرئيس السابق بشار الأسد، والسعي نحو تحسين سجلها الحقوقي، وذلك في خطوة تنطوي على دلالات رمزية، على الرغم من الشكوك التي لا تزال تكتنف مدى جدية حكومة دمشق في تنفيذ هذا الالتزام.
وتزامن هذا الإعلان مع تأكيد الحكومة استعدادها للتعاون مع المنظمات الحقوقية في التحقيق بالأحداث الدامية التي شهدتها مناطق الساحل السوري مؤخراً، والتي اتسمت بعنف طائفي مروع.
وقد صدر قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف الجمعة بالإجماع، ودعا الحكومة السورية الجديدة إلى تقديم الدعم الكامل للتحقيقات في الجرائم التي ارتُكبت خلال الصراع الذي بدأ في عام 2011.
ويُعد هذا القرار بمثابة إشارة دعم قوية من الدول الأعضاء في المجلس، البالغ عددها 47 دولة، للحكومة السورية الانتقالية بقيادة رئيسها أحمد الشرع التي تسعى لطي صفحة الماضي المليء بالصراعات والانتهاكات.
وقال حيدر علي أحمد، سفير سوريا لدى الأمم المتحدة في جنيف، أمام المجلس "بشكل عام تنظر سوريا الى مشروع القرار بإيجابية وتعتبره متوازنا".
وأكد السفير السوري تقدير بلاده "للدعم والمساندة التي تلقتها من العديد من الدول الصديقة التي أعلنت استعدادها للتعاون مع الحكومة السورية"، معتبراً هذا الدعم "حافزاً قوياً لمواصلة مسيرة الإصلاحات وتحقيق تطلعات الشعب السوري في السلام والاستقرار والتنمية".
من جانبه، أصدر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بياناً نُشر على منصة إكس، أعرب فيه عن اعتزاز سوريا بـ"مشاركتها لأول مرة بشكل إيجابي وبناء في صياغة القرار".
وقد رحب أعضاء المجلس بمشاركة سوريا، لكنهم حثوها على التمسك بالتزامات القرار، بما في ذلك لجنة التحقيق في الجرائم الخطيرة منذ بداية الحرب.
وفي هذا السياق، وصف السفير البريطاني لدى الأمم المتحدة، سايمون مانلي، مقتل المئات من المدنيين العلويين في الساحل السوري في مارس الماضي بأنه "تذكير مروع بالجروح العميقة" التي خلفها الصراع، وأكد على الحاجة الملحة لتحقيق العدالة والمساءلة.
ويأتي هذا التحول في أعقاب سيطرة قوات المعارضة بقيادة الشرع على دمشق في ديسمبر الماضي، وفرار الأسد إلى روسيا بعد سنوات طويلة من حكم اتسم بالقمع والعنف، والذي أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الآلاف، وتغييب أكثر من مئة ألف شخص، فضلاً عن اتهامات باستخدام التعذيب والأسلحة الكيميائية.
وفيما يتعلق بأحداث العنف الأخيرة في الساحل السوري، والتي شهدت مجازر وعمليات "إعدام ميدانية" راح ضحيتها نحو 1700 مدني غالبيتهم من الأقلية العلوية، أكدت الحكومة السورية في بيان صحافي استعدادها الكامل للتعاون مع المنظمات الحقوقية والسماح لها بالوصول إلى جميع أنحاء البلاد.
وشددت الحكومة على أن هذا التوجه يتوافق مع "نهج مصالحة وطنية شاملة ترتكز على العدالة الانتقالية التي تخص المجرمين وحدهم، وتعد الدولة ومؤسساتها المرجعية الأساسية في هذا الإطار دون أي انتقام".
وأضاف البيان أن الحكومة السورية "تابعت باهتمام التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية، حول أحداث الساحل السوري التي وقعت في شهر مارس الماضي، وما تضمنه من خلاصات أولية تترك للجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق مهمة تقييمها وفقا للتفويض والاستقلالية والصلاحيات الواسعة الممنوحة لها بموجب قرار رئاسي".
إلا أن الحكومة السورية أشارت إلى وجود "ملاحظات منهجية يجب عدم تجاهلها"، من أبرزها "النزوع من بعض التقارير الحقوقية إلى إغفال السياق الذي جرت فيه الأحداث أو التقليل من أهميته".
وأوضحت أن "الأحداث المؤسفة في الساحل بدأت باعتداء غادر وبنية مسبقة للقتل شنته فلول النظام البائد، مستهدفة قوات الأمن العام والجيش، وقد ارتكبت خلاله انتهاكات بحق أهالي وسكان المنطقة، بدوافع طائفية أحياناً، وقد نجم عن ذلك غياب مؤقت لسلطة الدولة، بعد استشهاد المئات من العناصر، ما أدى إلى فوضى أمنية تلتها انتقامات وتجاوزات وانتهاكات".
وأكدت الحكومة أن "اللجنة الوطنية قد أخذت على عاتقها التحقيق في هذه الانتهاكات وإصدار نتائجها خلال ثلاثين يوماً".
وختم البيان بتأكيد "مسؤولية الحكومة السورية الكاملة عن حماية جميع مواطنيها، بغض النظر عن انتماءاتهم الفرعية، وضمان مستقبلهم في دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات".
وشهدت منطقة الساحل خصوصا يومي 7 و8 مارس الماضي أعمال عنف، اتهمت السلطات حينها مسلحين موالين للرئيس بشار الأسد بإشعالها عبر شن هجمات دامية على عناصرها.
وأرسلت السلطات على إثرها تعزيزات عسكرية ووصلت مجموعات رديفة إلى المنطقة، وتحدث المرصد السوري لحقوق الانسان عن ارتكاب مسلحين مجازر وعمليات "إعدام ميدانية"، أسفرت عن مقتل نحو 1700 مدني غالبيتهم الساحقة من الأقلية العلوية.
وقضت عائلات بكاملها، بما فيها نساء وأطفال ومسنون. واقتحم مسلحون منازل وسألوا قاطنيها عن إن كانوا علويين أو سنة، قبل قتلهم أو العفو عنهم، وفق شهادات ناجين ومنظمات حقوقية ودولية.
ويمثل ترحيب الحكومة السورية بقرار الأمم المتحدة خطوة أولى مهمة نحو الانخراط الإيجابي مع المجتمع الدولي ومعالجة ملف حقوق الإنسان المتردي في البلاد. كما يعكس استعداداً مبدئياً للتعاون مع المنظمات الحقوقية في التحقيق في الأحداث الأخيرة، وهو ما قد يساهم في بناء الثقة وإظهار الالتزام بالعدالة.
ومع ذلك، فإن إشارة الحكومة إلى "إغفال السياق" في تقارير حقوق الإنسان، وتأكيدها على مسؤولية "فلول النظام البائد" عن بدء العنف في الساحل، قد يشير إلى وجود رواية مختلفة للأحداث واحتمال وجود تحفظات على نتائج التحقيقات المستقلة.
ويبقى التحدي الأكبر في مدى جدية الحكومة السورية في تطبيق قرار الأمم المتحدة على أرض الواقع، وتوفير الضمانات الكاملة لاستقلالية ونزاهة عمل لجان التحقيق والمنظمات الحقوقية. كما أن نتائج تحقيقات اللجنة الوطنية المستقلة في أحداث الساحل ستكون بمثابة اختبار حقيقي لمدى التزام الحكومة الجديدة بتحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وهو ما يعتبر ضرورياً لترسيخ المصالحة الوطنية وبناء مستقبل مستقر في سوريا.
ويرى مراقبون أن تعاون الحكومة السورية مع الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية من شأنه أن يساهم في تعزيز شرعيتها على الساحة الدولية وتحسين صورتها بعد سنوات من النزاع والاتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق.
ويشير هؤلاء المراقبين إلى هذا التعاون قد يمثل خطوة أولى نحو عملية عدالة انتقالية شاملة في سوريا، تتضمن كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وتقديم التعويضات للضحايا.
ولا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه هذه العملية، بما في ذلك ضمان استقلالية ونزاهة التحقيقات، والتعامل مع إرث ثقيل من الانتهاكات، وتحقيق المصالحة الوطنية في مجتمع منقسم.
ومن المرجح أن يراقب المجتمع الدولي عن كثب مدى التزام الحكومة السورية بتعهداتها وتوفير البيئة المناسبة لعمل لجان التحقيق والمنظمات الحقوقية، مع التأكيد على ضرورة تحقيق مساءلة حقيقية وشفافة.