وارش: الاقتصاد الأمريكي أصبح أقوى.. والتضخم يعطل خفض الفائدة
قال رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي كيفن وورش الأربعاء إن الاقتصاد الأمريكي أصبح أقوى منذ اجتماع صانعي السياسة في المجلس في يونيو/حزيران، مع بقاء سوق العمل قريبة من مستوى التوظيف الكامل، في حين أظهرت اتجاهات التضخم تحسنا محدودا.
وأضاف وورش في مؤتمر صحفي عقب قرار مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع أسعار الفائدة "حتى خلال الأسابيع القليلة الماضية، أعتقد أن لدينا الآن بيانات عامة تشير إلى أن الاقتصاد تحسن بالفعل. معدل النمو الأساسي أعلى. تكمن المشكلة في التضخم. فقد ظل استقرار الأسعار يمثل مشكلة لأكثر من خمس سنوات ونصف السنة".
قرار اجتماع الفيدرالي الأمريكي اليوم.. رفع سعر الفائدة لأول مرة منذ 2023
رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي الأربعاء للمرة الأولى منذ عام 2023 في مسعى لكبح جماح التضخم المرتفع والمستعصي، وهي خطوة قد تثير رد فعل حاداً من البيت الأبيض.
وتؤدي هذه الزيادة التي تبلغ ربع نقطة مئوية إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي للاحتياطي الفيدرالي إلى نطاق 3.75% - 4%، ومن شأنها أن تؤدي بمرور الوقت إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض للقروض العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان.
وفي مجموعة من التوقعات الفصلية، أشار الاحتياطي الفيدرالي أيضاً إلى أن اللجنة المعنية بتحديد أسعار الفائدة تتوقع رفع المعدلات مرة ثانية في وقت لاحق من هذا العام لتصل إلى 4.1%.
وقال الاحتياطي الفيدرالي في بيان له إن "إجراء السياسة النقدية المتخذ اليوم سيدعم العودة في وقت أقرب" إلى هدف التضخم الذي حدده البنك المركزي عند مستوى 2%.
ارتفاع تكاليف السلع الغذائية
وتأتي هذه الخطوة في وقت يعاني فيه الأمريكيون بالفعل من ارتفاع تكاليف السلع الغذائية والوقود والسكن؛ إذ أصبحت مسألة القدرة على تحمل التكاليف والمعيشة قضية محورية في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، التي تفصلنا عنها سبعة أسابيع فقط.
في مؤتمر صحفي أعقب إعلان الاحتياطي الفيدرالي، صرح رئيس المجلس، كيفن وارش، بأنه على الرغم من استمرار متانة سوق العمل، إلا أن التضخم ظل -بشكلٍ مستعصٍ- أعلى من المستوى المستهدف من قبل المجلس (وهو 2%) لسنوات.
وقال وارش: "الحقيقة الواضحة هي أن معدل التضخم مرتفع للغاية، وظل كذلك لفترة طويلة جداً".
ومنذ توليه قيادة الاحتياطي الفيدرالي في شهر مايو/أيار، أكد وارش التزام المجلس الراسخ بكبح جماح التضخم، مشيراً إلى أن صناع السياسات سيعتمدون على البيانات لتحديد ما إذا كان التضخم يسير في الاتجاه الصحيح.
وقال وارش: "يجب أن نكون واثقين من أن التضخم الأساسي يتحرك نحو هدفنا بوضوح وبسرعة كافية. وقد قررت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة الأربعاء أن هذا المعيار لم يتحقق بعد".
يمثل قرار رفع سعر الفائدة تحولاً في موقف "وارش" -الذي عيّنه الرئيس دونالد ترامب وتولى المنصب القيادي في مايو/أيار-؛ إذ كان "وارش" قد ألمح مراراً في العام الماضي، حين كان مرشحاً للمنصب، إلى إمكانية خفض الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة الرئيسي، متبنياً بذلك دعوة الرئيس لخفض تكاليف الاقتراض.
البيت الأبيض يعترض
انتقد البيت الأبيض الأربعاء القرار "المؤسف" الذي اتّخذه الاحتياطي الفدرالي برفع معدّلات الفائدة على الرغم من دعوات متكرّرة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخفضها.
وقال المتحدث باسم الرئاسة الأمريكية كوش ديساي لشبكة فوكس نيوز "إن القرار المؤسف الذي اتّخذه الاحتياطي الفدرالي اليوم برفع معدلات الفائدة، لم يكن من وجهة نظر الإدارة، مدعوما بمسوغات اقتصادية مقنعة على نحو خاص".
وفي شهر أبريل/نيسان، وبينما كانت لجنة المصارف في مجلس الشيوخ تنظر في ترشيحه، صرّح ترامب في مقابلة تلفزيونية بأنه سيشعر بخيبة أمل إذا لم يُقدم "وارش" على خفض أسعار الفائدة. غير أن "وارش" أكد للجنة في اليوم نفسه أنه لم يقطع وعداً لترامب بخفض الفائدة، مشدداً على أنه سيتصرف "بشكل مستقل" عند توليه رئاسة الاحتياطي الفيدرالي.
ومع ذلك، فإن الاضطرابات المستمرة الناجمة عن الحرب المتعلقة بإيران -والتي أدت إلى ارتفاع متوسط أسعار الوقود بأكثر من 7% مقارنة بمستوياتها قبل شهر واحد فقط- تهدد بالانتقال إلى سائر قطاعات الاقتصاد وإبقاء معدلات التضخم الأوسع نطاقاً مرتفعةً ومستعصيةً على الانخفاض.
التضخم العنيد
وقد أظهر تقرير صدر الأسبوع الماضي حول التضخم أن الأسعار الأساسية -التي تستثني تكاليف الغذاء والطاقة- قد شهدت تسارعاً طفيفاً خلال شهر أغسطس/آب.
وفقاً للمقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، بلغ معدل التضخم 3.7% في شهر يوليو/تموز مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، مسجلاً ارتفاعاً عن مستوى 2.3% المسجل في أبريل/نيسان 2025، أي قبيل إعلان ترامب عن فرض رسوم جمركية واسعة النطاق. أما التضخم الأساسي -الذي يستثني فئتي الغذاء والطاقة نظراً لتقلب أسعارهما- فقد بلغ 3.3% في يوليو/تموز (وهي أحدث البيانات المتاحة)، مرتفعاً من 3% التي سُجلت قبيل اندلاع الحرب مع إيران، وهو مستوى يفوق بكثير المستهدف الذي وضعه الاحتياطي الفيدرالي.
وفي وقت سابق من الأربعاء، أعلنت الحكومة أن مبيعات التجزئة قفزت بنسبة 1.2% في أغسطس/آب مقارنة بالشهر السابق؛ مما يشير إلى أن المستهلكين يواصلون الإنفاق بمعدلات جيدة، وذلك على الرغم من استطلاعات الرأي التي تظهر استمرار نظرة الأمريكيين المتشائمة تجاه الاقتصاد. وتُعد قوة الإنفاق مؤشراً على أن أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية لا تؤدي بالضرورة إلى تقييد الاقتصاد أو كبح جماح التضخم.
إشارة إيجابية
وذكر الاحتياطي الفيدرالي أنه "على الرغم من استمرار حالة عدم اليقين المرتفعة -الناجمة جزئياً عن التطورات الجيوسياسية- إلا أن الإنفاق المحلي أظهر مرونة"، وهي إشارة -على الأرجح- إلى استمرار إنفاق المستهلكين وقوة الاستثمارات التي تضخها شركات التكنولوجيا الكبرى في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
لا يقتصر ارتفاع معدلات التضخم على أسعار الوقود؛ فقد أدى الاستثمار المستمر في الذكاء الاصطناعي إلى رفع أسعار رقائق الكمبيوتر والمعدات الإلكترونية الأخرى، مما ساهم في زيادة التضخم الإجمالي. كما قد تظل الرسوم الجمركية سبباً في رفع بعض التكاليف - مثل أسعار الأجهزة المنزلية التي شهدت قفزة في الشهر الماضي.
وكان ترامب قد وجه انتقادات لاذعة لجيروم باول، سلف وارش، لعدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة الكافية. بل إن وزارة العدل في عهده فتحت تحقيقاً جنائياً بحق باول على خلفية شهادة مقتضبة أدلى بها أمام الكونغرس العام الماضي، وإن كان قد تم إسقاط ذلك التحقيق في نهاية المطاف.
وعند سؤاله الأربعاء عن رد فعل الرئيس المحتمل تجاه رفع أسعار الفائدة، قال وارش: "ليس لدي ما أقوله بخصوص أي نقاش مع الرئيس".
في مقابلة أجراها مع شبكة "فوكس نيوز" الأحد، سُئل كيفن هاسيت، كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس ترامب، عن رد فعل ترامب المحتمل تجاه أي قرار برفع أسعار الفائدة.
وقال هاسيت: "أنا واثق من أنه لن يكون سعيداً للغاية بذلك، لكنه سيدافع عن استقلالية كيفن وارش قبل كل شيء".
استقلالية وارش
وقد يتمتع وارش أيضاً بقدر من الحماية بفضل حقيقة أن والد زوجته هو رونالد لاودر، وهو صديق لترامب وملياردير دأب على التبرع لحملاته الانتخابية.
وفي التوقعات الاقتصادية التي أصدرها الاحتياطي الفيدرالي بالتزامن مع قرار الفائدة، أشار المسؤولون إلى احتمالية رفع سعر الفائدة الرئيسي مرة أخرى هذا العام. غير أن المحللين يشككون في أن يتم ذلك خلال الاجتماع المقبل في أكتوبر، أي قبل أيام قليلة من انتخابات التجديد النصفي.
وقال كاي هايغ، من بنك "غولدمان ساكس": "يرى معظم أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أن هناك ما مجموعه زيادتان في أسعار الفائدة هذا العام وفقاً للتوقعات، ومن المرجح تجاوز اجتماع شهر أكتوبر نظراً لقربه من موعد انتخابات التجديد النصفي".