جيش السودان يتجاهل خطر الكوليرا ويصنع من الكلور سلاحا كيماويا
حينما بدأ العميد طارق حسين وضع النماذج الأولية لقنبلة الكلور التي اقترحها، كان يدرك أنه لا يخضع كغيره من المواد السامة للتدقيق، لكن كان ثمة شيء آخر أكثر خطورة.
كانت عملية استيراد الكلور مدفوعة بمواجهة خطر تفشي وباء الكوليرا في البلاد جراء تردي وضع الهيئات الصحية في البلاد بعد اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ووثقت التقارير الأممية منذ بدء تفشي وباء الكوليرا، الذي أُعلن عنه رسمياً في منتصف عام 2024 وامتدت موجاته المتعاقبة طوال عامي 2025 و2026، عشرات الآلاف من الإصابات وحالات الوفاة.
بحسب أرقام حكومية، أُصيب أكثر من 124 ألفا و400 شخص بالكوليرا، وتوفي 3500 خلال الموجة الأخيرة بين يوليو/تموز 2024 ومارس/آذار 2026.
وفي تصريح سابق لرئيس منظمة الصحة العالمية في السودان، قال شبل صهباني إن وباء الكوليرا الذي ينتشر في شمال شرق أفريقيا كان في السابق يأتي في دورات كل ثلاث سنوات، لكن البلاد تواجه حاليا تفشيا شبه مستمر "بسبب الصراع والقيود على الوصول إلى أماكن معينة والنقص في الإمدادات".
وحذرت تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" من أثر الكوليرا الفادح على الأطفال، مشيرة إلى أن مئات الآلاف من الأطفال في مناطق النزوح والتكدس مثل ولايات الخرطوم، دارفور، وكردفان كانوا ولا يزالون معرضين لخطر الإصابة الشديدة بفعل تلوث المياه وانهيار شبكات الإصحاح البيئي وانعدام خدمات الصرف الصحي.
قصة منسية
وفي أبريل/نيسان الماضي، كشفت "العين الإخبارية" عن تغيير مفاجئ في مسار مناقصة طرحتها "هيئة مياه ولاية الخرطوم" لتوريد غاز الكلور المسال، وبولي ألمونيوم كلوريد، وهي مواد تستخدم لتنقية مياه الشرب.
ونقلت العين الإخبارية حينها معلومات أفادت بها المحامية والناشطة الحقوقية حاب المبارك سيد أحمد إلى صدور توجيه مباشر من البرهان لهيئة مياه ولاية الخرطوم يقضي بإغلاق باب المنافسة أمام الشركات الخاصة، وحصر استيراد الكلور في منظومة الصناعات الدفاعية، ما أدى فعليا إلى احتكار مادة حساسة ذات استخدام مزدوج.
وقالت الناشطة السودانية حينها: "في يوم فض المظاريف وانتظار معرفة الشركة التي فازت بالعطاء، فوجئت جميع الشركات بقرار احتكار استيراد غاز الكلور المسال لصالح منظومة الصناعات الدفاعية وبأمر مباشر من قائد الجيش السوداني، بغلق المناقصة أمام الشركات الخاصة وإبقائها فقط لصالح منظومة الدفاعات الصناعية".
وكانت المخاوف تزداد بالنظر إلى أن الكلور، رغم أهميته في تنقية المياه، يمكن توظيفه أيضا في تصنيع أسلحة كيماوية، ما يضع أي جهة تتحكم في استيراده تحت دائرة المساءلة.
ليست شكوكا
وتحولت الشكوك إلى يقين مع فرض الولايات المتحدة عقوبات على قادة الجيش السوداني بعد اتهامات بمسؤوليته عن استخدام أسلحة كيماوية.
لكن تقريرا نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية معتمدا على عشرات الوثائق والفيديوهات والمحادثات الهاتفية لقيادات في الجيش السوداني رسمت صورة كاملة عن برنامج الأسلحة الكيماوية.
ووفق الأدلة والوثائق، فإن الجيش السوداني طور وأنتج أسلحة كيماوية على مدى 6 أشهر عام 2024، في وقت كان يخوض فيه معارك ضد قوات الدعم السريع للسيطرة على البلاد.
الوثائق والأدلة التي كشفت عنها صحيفة «نيويورك تايمز» توثق برنامجًا سريًا لإنتاج ذخائر قائمة على الكلور واختبارها ميدانيًا.
كما تتضمن الوثائق مخططات للقنابل، وصورًا ومقاطع فيديو لاختبارات، واتصالات بين ضباط سودانيين.
وكانت الولايات المتحدة فرضت عقوبات على السودان وعلى قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على خلفية استخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب.
لكن الأدلة الجديدة تقدم تفاصيل عن برنامج عسكري سري، بما في ذلك معلومات عن وحدة تولت إنتاج ذخائر قائمة على الكلور لاستخدامها ضد قوات الدعم السريع.
إلى جانب معلومات عن مصادر الحصول على غاز الكلور ومحاولات لاحقة للتستر على البرنامج بعد اكتشاف الولايات المتحدة له.
وتشير رسائل صوتية ونصية مرتبطة بقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى أن الأخير كان على علم مباشر بجهود تطوير الأسلحة الكيميائية، وهو عامل أساسي في القرار الأمريكي بفرض عقوبات عليه في يناير/كانون الثاني العام الماضي، بحسب ما أوردته نيويورك تايمز.
وقال خبراء راجعوا صورا من الملف لصالح نيويورك تايمز إن الصور تبدو وكأنها توثق جهدا معقولا لتطوير أسلحة كيميائية.
وقالت إليزابيث فيختر، المتحدثة باسم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إن عدة دول طلبت من المنظمة "الحصول على توضيحات من السودان بشأن الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية".
وأضافت أن هذه العملية "لا تزال جارية".
تفاصيل تطوير البرنامج
وتشير الصحيفة إلى أنه مع تعثر القوات المسلحة السودانية في استعادة الخرطوم، بدأت داخل الجيش فكرة أكثر خطورة تتبلور، وهي تحويل مادة كيماوية شائعة إلى سلاح. وبحلول منتصف عام 2024، كان الجيش قد خسر معظم أجزاء العاصمة، بينما واجه صعوبة في طرد قوات الدعم السريع المتوغلين في عمقها.
وبحسب الملف الاستخباراتي، جاء الحل المقترح من قبل الجيش، في يوليو/تموز، والمتمثل في "الكلور".
ففي رسالة إلى زملائه جرى اعتراضها لاحقا، شرح العميد الركن طارق حسين، رئيس مشروع قنابل الكلور، كيف يمكن تحويل هذا الغاز القاتل إلى سلاح يمنح الجيش أفضلية في معركة الخرطوم.
كما وزع رسومات لنماذج أولية من ذخيرة جديدة، قال إنها تجمع بين رأس حربي متفجر ونحو 33 رطلًا من غاز الكلور.
وبحسب حسين، كانت لهذه الذخيرة ميزة مزدوجة، "إذ يمكنها قتل قوات العدو إما عبر تمزيقها بالشظايا أو عبر تسميمها بغاز الكلور".
كما أن الانفجار، وفقا لما كتبه، سيضمن عدم بقاء أي أثر كيماوي للهجوم.
لكن الفكرة لم تبق في إطار المخططات. فمنذ يوليو/تموز 2024، أشرف حسين على مصنع بدأ في تجميع نماذج أولية لهذه الذخائر، وفقا لما تظهره الصور والرسائل الواردة في الملف.
وفي 22 يوليو/تموز، أقلعت طائرة شحن من طراز "أنتونوف" من مطار مروي، الواقع على بعد نحو 200 ميل شمال الخرطوم، لإجراء اختبار للذخيرة القائمة على الكلور، بحسب ما أفاد حسين.
وفي يوليو/تموز، اقترح العميد طارق حسين، رئيس مشروع قنابل الكلور، استخدام الكلور كسلاح.
وبحسب الملف، شرح حسين في رسالة إلى زملائه، جرى اعتراضها لاحقًا، كيفية تحويل غاز الكلور إلى سلاح لتحقيق أفضلية في المعارك الرامية إلى السيطرة على الخرطوم.
وعمّم رسومات لنماذج أولية من ذخيرة جديدة قال إنها تجمع بين رأس حربي متفجر ونحو 33 رطلًا من غاز الكلور.
وبحسب ما كتبه حسين، كان من الممكن لهذه الذخيرة قتل قوات العدو بطريقتين، إما عبر الشظايا الناتجة عن الانفجار أو عبر التسمم بغاز الكلور.
كما أشار إلى أن الانفجار سيضمن عدم بقاء أي أثر كيماوي للهجوم.
وتشير الصور والرسائل الواردة في الملف إلى أن حسين كان يشرف، اعتبارًا من يوليو/تموز 2024، على مصنع يجمع نماذج أولية من هذه الذخائر.
الجريمة الكاملة
وتشير الوقائع التي يتناولها تقرير "نيويورك تايمز" إلى أن الجيش السوداني، وبينما تعلن الحكومة التابعة له رسميا تفشي وباء الكوليرا في البلاد، كان يولي أهمية أكبر لمعركته في الخرطوم.
وبدلا من استخدام الكلور في تنقية مياه الشرب للحفاظ على صحة السودانيين ومحاصرة الوباء، قاد العميد طارق حسين مشروع استخدامه كسلاح لمواجهة تقدم الدعم السريع في العاصمة.
وبحسب تقديرات حسين، كانت الكميات التي حصل عليها الجيش السوداني من الكلور المسال كافية لتصنيع 1100 قنبلة بدلا من أن تحفظ أرواح الآلاف من السودانيين.