لندن توبخ نتنياهو لوصفه بريطانيا بأول جمهورية إسلامية نووية
في تطور لافت يعكس مدى تأزم العلاقات الدبلوماسية بين لندن وتل أبيب، علقت الحكومة البريطانية بحزم شديد على تصريحات أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سخر فيها بشكل غير مسبوق من المملكة المتحدة ووصفها بشكل مثير للجدل بـ"الجمهورية الإسلامية".
وبحسب ما نقلته شبكة "يورونيوز"، ردت الحكومة البريطانية بقوة وحسم على هذه التصريحات، حيث وصف متحدث رسمي باسمها هذه الأقوال بأنها "غير مقبولة تماما"، مؤكدا في الوقت ذاته أن القضية برمتها أثيرت رسميا مع الحكومة الإسرائيلية للتعبير عن الاستياء الشديد ومطالبة الجانب الإسرائيلي بتوضيح رسمي لهذه الإساءات الدبلوماسية المتكررة غير المبررة.
وجاءت هذه التصريحات المستفزة خلال مقابلة أجراها نتنياهو عبر بودكاست إذاعة الجيش الإسرائيلي، حيث مازح مستخفا بالسيادة البريطانية قائلا إن المملكة المتحدة هي "أول جمهورية إسلامية تمتلك أسلحة نووية".
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شجع مقدم البرنامج هذا الطرح قائلا "أليست أوروبا كلها هكذا الآن؟"، ليوافقه نتنياهو الرأي مضيفا بسخرية واضحة "نعم، ولكن أحدهم قال "أول جمهورية إسلامية تمتلك أسلحة نووية ستكون الجمهورية الإسلامية لبريطانيا العظمى".
وتابع نتنياهو مبررا هذا الخطاب الاستفزازي "لذلك سنحرص على ألا تظهر جمهورية إسلامية ثانية تمتلك أسلحة نووية هنا في إيران"، في ربط سياسي وايديولوجي يهدف إلى تبرير السياسات الإسرائيلية الخارجية وتصدير سرديات اليمين المتطرف للرأي العام العالمي.
وسبق لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن استخدم خلال الحملة الانتخابية الأميركية عام 2024 تعبيرات مشابهة بشأن احتمال أن تصبح بريطانيا أول دولة إسلاموية تمتلك السلاح النووي، وهي إشارة أعاد نتنياهو استحضارها في حديثه.
وبحسب شبكة "يورونيوز"، لا تعد هذه التوصيفات بمعزل عن السياق السياسي العام، بل تعكس تصريحات نتنياهو ادعاءات مشابهة ومألوفة يرددها سياسيون وناشطون من التيار اليميني المتطرف في بريطانيا وخارجها، ممن يزعمون زورا أن بريطانيا تتأثر بشكل متزايد بالإسلام وتفقد هويتها التقليدية.
يعكس تبني رئيس وزراء دولة أجنبية لهذا الخطاب العنصري استخفافا تاما بالمعايير الدبلوماسية المتعارف عليها، ويثير تساؤلات عميقة حول مدى احترام الحكومة الإسرائيلية لشركائها الغربيين، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالمملكة المتحدة التي تربطها تاريخيا علاقات معقدة ومتشعبة بمنطقة الشرق الأوسط.
وتعد باكستان أول بلد إسلامي يتحول إلى قوة نووية رسمية منذ عام 1998، وهو ما يجعل استخدام هذا التوصيف إسقاطا سياسيا محضا يستهدف التلاعب بالعواطف واسترضاء التيارات الشعبوية المتطرفة، سواء داخل إسرائيل أو في الدوائر الغربية المؤيدة للسياسات الإسرائيلية العدوانية.
يأتي هذا السجال الدبلوماسي العنيف في وقت تشهد فيه العلاقات بين المملكة المتحدة وإسرائيل توترا متزايدا وملحوظا في الأشهر الأخيرة، وتحديدا منذ وصول رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندى برنهام إلى مقر رئاسة الحكومة في "داونينغ ستريت".
وحمل تولي برنهام السلطة مؤشرات واضحة على تغير محتمل في بوصلة السياسة الخارجية البريطانية تجاه الصراع في الشرق الأوسط، مما جعل تل أبيب تنظر بريبة وقلق إلى القيادة البريطانية الجديدة وتوجهاتها الإصلاحية التي تسعى لإعادة الاعتبار للقانون الدولي وقيم العدالة الإنسانية.
وظهر هذا التحول بوضوح قبيل أسابيع قليلة من توليه منصب رئيس الحكومة، عندما قدم آندي برنهام اعتذارا علنيا صريحا عن أول رد فعل صدر عن حزب العمال تجاه الحرب المدمرة في غزة، مؤكدا أن الحزب بحاجة إلى "أن يكون أداؤه أفضل" وأكثر عدالة إزاء الضحايا المدنيين.
وقال برنهام في تصريحات مطلع شهر يوليو الماضي إن "المعاناة التي لا تُطاق في غزة تعد وصمة عار في ضميرنا الجماعي"، معتبرا أن "من غير المقبول تماما أن يستمر قتل الفلسطينيين الأبرياء، بمن فيهم الأطفال"، ومشددا على أن "ويستمنستر" يجب أن يمارس مزيدا من الضغط الفعلي والجاد على الحكومة الإسرائيلية لوقف آلة القتل والدمار.
يكشف هذا التوبيخ الدبلوماسي من قبل لندن عن عمق الفجوة المتسعة بين الحكومات الأوروبية التقليدية ونهج حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة. فأن يصدر مثل هذا التوصيف الساخر والمهين بحق دولة عظمى كالمملكة المتحدة من قبل حليف مفترض، يوضح مدى استهتار تل أبيب بالقنوات الدبلوماسية التقليدية واعتمادها على استراتيجية الاستفزاز الممنهج للهروب من الضغوط الدولية المتزايدة بشأن جرائمها المستمرة في قطاع غزة والمنطقة بأسرها.
ويثبت رد الحكومة البريطانية الفوري ووصف التصريحات بأنها "غير مقبولة تماماً"، أن صعود آندي برنهام إلى رئاسة الحكومة لم يغير فقط النبرة الأخلاقية والسياسية لبريطانيا تجاه القضية الفلسطينية فحسب، بل وضع خطوطا حمراء جديدة أمام محاولات الابتزاز الإسرائيلي للخطاب السياسي الداخلي في لندن.
وفي ظل تنامي الانتقادات الداخلية في بريطانيا للعدوان المستمر، فإن تصريحات نتنياهو لن تزيد الموقف الإسرائيلي إلا عزلة، وستدفع الحكومة البريطانية نحو اتخاذ مواقف أكثر صلابة وحزما في وجه الغطرسة السياسية والدبلوماسية الإسرائيلية في المحافل الدولية قاطبة.