الشرق الأوسط بعد عصر الوكلاء.. هل تستعيد الدول قرار الحرب؟
لم يكن الشرق الأوسط، لعقود طويلة، بحاجة إلى حروب مباشرة كي تتصارع دوله على النفوذ. فقد أتاحت منظومة الحروب بالوكالة للقوى الإقليمية أن تخوض صراعاتها من وراء الحدود، عبر تنظيمات مسلحة وحلفاء محليين وشبكات سياسية وأمنية، بحيث يمكن توسيع النفوذ وإيصال الرسائل إلى الخصوم من دون تحمل الكلفة الكاملة للمواجهة المباشرة.
لكن هذه المعادلة تبدو اليوم أمام اختبار غير مسبوق. فالتطور الكبير في قدرات الجماعات المسلحة، وانتقال الصواريخ والمسيّرات من كونها أدوات تكتيكية إلى وسائل قادرة على تهديد المطارات والموانئ والمنشآت النفطية والسفن وخطوط التجارة، قلّص المسافة التي كانت تفصل الدولة الراعية عن تداعيات نشاط وكيلها.
ومع اتساع نطاق التأثير، بات من الصعب على الدول أن تتعامل مع الحروب غير المباشرة باعتبارها وسيلة منخفضة الكلفة والمخاطر.
ولا يعني ذلك أن الشرق الأوسط دخل بالفعل عصرًا خاليًا من الوكلاء، ولا أن التنظيمات المسلحة ستختفي من المشهد. لكن التحول الأهم يكمن في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والوكيل.
وفي مرحلة سابقة، كان الوكيل يمثل امتدادًا لقوة الدولة خارج حدودها؛ أما اليوم، فقد أصبح في بعض الحالات قوة قائمة بذاتها، تمتلك قرارًا سياسيًا وعسكريًا ومصالح اقتصادية وقواعد اجتماعية، بما يجعل قدرتها على التحرك المستقل أكبر، ويجعل الدولة الراعية أكثر عرضة لأن تجد نفسها أمام حرب لم تختر توقيتها أو سقفها.
وهنا يبرز السؤال المركزي: هل تستعيد دول الشرق الأوسط تدريجيًا قرار الحرب والسلام؟.
الإجابة تبدو أقرب إلى "نعم، ولكن بصورة تدريجية وانتقائية". فالدولة لا تتخلى بسهولة عن أدوات النفوذ غير المباشر التي استثمرت فيها لعقود، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الوكيل القوي جدًا يمكن أن يتحول من مصدر قوة إلى مصدر مخاطرة.
وكلما أصبحت الحرب أكثر ارتباطًا بأمن الدولة نفسها واقتصادها ومجالها الجوي والبحري، ازدادت الحاجة إلى أن يكون القرار الاستراتيجي في يد المؤسسات الرسمية.
كلما أصبحت الحرب أكثر ارتباطًا بأمن الدولة نفسها واقتصادها ومجالها الجوي والبحري، ازدادت الحاجة إلى أن يكون القرار الاستراتيجي في يد المؤسسات الرسمية
عندما تصبح شبكة النفوذ عبئًا على صاحبها
تمثل إيران الحالة الأكثر وضوحًا لهذه المعضلة. فمنذ عقود، طورت طهران شبكة واسعة من الحلفاء المسلحين في المنطقة، مستفيدة من ضعف الدولة في بعض البلدان، ومن قدرة التنظيمات غير الحكومية على توفير أدوات نفوذ وردع أقل كلفة من الانتشار العسكري المباشر.
وقد حقق هذا النموذج مكاسب استراتيجية مهمة. فهو منح إيران عمقًا إقليميًا، وسمح لها بامتلاك أوراق ضغط متعددة، وخلق جبهات يمكن استخدامها للردع أو التفاوض أو الضغط على الخصوم.
لكن المشكلة ظهرت عندما أصبح هؤلاء الحلفاء يمتلكون قدرات عسكرية كبيرة، وقواعد اجتماعية وسياسية خاصة، وحسابات تتداخل مع الحسابات الإيرانية من دون أن تتطابق معها بالضرورة.
فالوكيل الذي يستطيع إطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، وتهديد خطوط الملاحة أو المنشآت الحيوية، لم يعد مجرد أداة يمكن تشغيلها وإيقافها بصورة آلية. وكلما اتسعت قدرته على إحداث ضرر استراتيجي، أصبح احتمال انتقال الصراع من مستوى الوكالة إلى مستوى المواجهة المباشرة أكبر.
وهذا يفرض على طهران معادلة جديدة: الحفاظ على شبكة النفوذ من دون السماح لها بتحويل إيران إلى طرف مباشر في كل مواجهة، واستخدام الحلفاء للردع من دون فقدان السيطرة على مسار التصعيد.
ومن هنا قد لا يكون مستقبل السياسة الإيرانية هو التخلي عن الوكلاء، بل إعادة إخضاعهم لاستراتيجية مركزية أكثر وضوحًا. بمعنى آخر، قد تنتقل طهران من نموذج "النفوذ عبر الوكيل" إلى نموذج أكثر تركيبًا يصبح فيه الوكيل جزءًا من منظومة الردع الإيرانية، لكن الدولة تحتفظ بالقرار النهائي بشأن الحرب الكبرى والتصعيد الاستراتيجي.
بغداد.. اختبار احتكار الدولة للقرار الأمني
العراق يمثل الوجه الآخر للمشكلة. فقد أدت سنوات الصراع والتدخلات الخارجية إلى ظهور بنية أمنية معقدة تضم مؤسسات الدولة الرسمية إلى جانب قوى مسلحة تمتلك قدرات ونفوذًا سياسيًا واسعًا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه على بغداد لم يعد فقط كيف تواجه التهديدات الأمنية، وإنما من يملك القرار النهائي بشأن استخدام القوة؟
ويجعل وجود قوى مسلحة خارج السيطرة الكاملة للقرار الحكومي يجعل الدولة عرضة لخطر مزدوج: أن تتحول أراضيها إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية، وأن تتعرض مصالحها للخطر نتيجة قرارات لا تصدر بالضرورة عن مؤسساتها الرسمية.
ولهذا فإن تعزيز الدولة العراقية لا يرتبط فقط بتطوير الجيش أو الأجهزة الأمنية، بل بإعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه. فاحتكار القوة لا يعني إلغاء القوى السياسية أو الاجتماعية، وإنما يعني أن قرار الحرب والسلام يجب أن يكون قرارًا مؤسسيًا قابلاً للمساءلة.
وإذا نجحت بغداد في ترسيخ هذه المعادلة، فإنها ستقلص تدريجيًا قدرة الأطراف الخارجية على استخدام الأراضي العراقية كساحة للحرب بالوكالة، وستحول الفصائل المسلحة من أدوات ذات أجندات متداخلة إلى قوى تخضع، بدرجات متفاوتة، لمظلة الدولة.
بيروت.. المعضلة الأكثر حساسية
في لبنان، تبدو عودة الدولة إلى مركز القرار أكثر تعقيدًا. فوجود قوة عسكرية كبيرة خارج المؤسسة العسكرية الرسمية جعل مسألة احتكار السلاح مرتبطة مباشرة بمفهوم السيادة وبقدرة الحكومة على اتخاذ قرار مستقل بشأن الحرب والسلم.
المعضلة اللبنانية لا تختصر في وجود السلاح، وإنما في السؤال الذي يترتب عليه: هل تستطيع الدولة اتخاذ قرار استراتيجي إذا كانت هناك قوة أخرى تمتلك القدرة على فتح جبهة أو توسيعها؟
وهذا هو جوهر التحول في مفهوم حروب الوكالة. فحين يصبح الفاعل المسلح قادرًا على اتخاذ قرار التصعيد بصورة مستقلة، فإن الدولة التي يفترض أنها صاحبة السيادة تتحول إلى طرف يتعامل مع نتائج قرار لم يصنعه بالضرورة.
ومن هنا فإن أي إعادة بناء للدولة اللبنانية ستظل مرتبطة بإعادة ترتيب العلاقة بين القوة المسلحة والمؤسسات الرسمية، لأن الاستقرار الدائم يتطلب وجود مرجعية واحدة للحرب والسلام.
اليمن.. عندما تتحول الوكالة إلى نظام أمني موازٍ
أما اليمن، فيقدم نموذجًا أكثر تعقيدًا بسبب تداخل الصراع الداخلي مع الحسابات الإقليمية والدولية. فقد أصبحت جماعة الحوثيين، خلال سنوات الحرب، قوة عسكرية وسياسية تمتلك قدرات تتجاوز نطاق الصراع المحلي.
وقد أظهر تهديد الملاحة في البحر الأحمر كيف يمكن لقوة محلية أن تؤثر في التجارة الدولية وأن تفرض حسابات أمنية على دول بعيدة عن ساحة الصراع.
وهنا تتضح حدود نموذج الوكالة: فحين يمتلك الفاعل المحلي القدرة على التأثير في خطوط التجارة العالمية، تصبح تداعيات تحركاته أكبر من قدرة الدولة الراعية على إدارتها من الخلف.
كما أن أي تسوية مستقبلية في اليمن لن تكون مستقرة إذا لم تنجح في إعادة بناء سلطة مركزية قادرة على احتكار القرار الأمني. فالهدنة وحدها لا تكفي إذا بقيت هناك قوى متعددة تمتلك حق استخدام القوة وتحديد مستوى التصعيد.
الوكيل لم يعد يوفر "المسافة الآمنة"
قد لا يكون الشرق الأوسط على أعتاب نهاية الحروب بالوكالة، لكنه بالتأكيد يقترب من نهاية المرحلة التي كان فيها الوكيل قادرًا على أن يحل محل الدولة في تحديد مسار الحرب ومصير السلام
التحول الأوسع في المنطقة يرتبط بالتكنولوجيا. فقد أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والقدرات البحرية الرخيصة نسبيًا أدوات تمكن جماعات صغيرة من إحداث أضرار استراتيجية تفوق بكثير حجمها العسكري.
في السابق، كان الوكيل يوفر للدولة الراعية "مسافة آمنة". أما اليوم، فقد أصبح قادرًا على تقليص هذه المسافة.
هجوم على منشأة نفطية قد يؤثر في أسعار الطاقة. واستهداف سفينة قد يغير طرق التجارة. وضربة على قاعدة عسكرية قد تستدعي ردًا مباشرًا. وكل ذلك يجعل الفصل بين مسؤولية الوكيل ومسؤولية الراعي أكثر صعوبة.
ومن ثم، فإن زيادة قوة الوكلاء لا تعني بالضرورة زيادة قوة الدول التي تدعمهم. ففي مرحلة معينة، تنقلب المعادلة: يصبح الوكيل مصدرًا للردع، لكنه يصبح أيضًا مصدرًا لاحتمال فقدان السيطرة.
الخليج.. الانتقال من انتظار الحماية إلى بناء الردع
تظهر دول الخليج في موقع مختلف. فقد دفعت خبرتها مع الهجمات على المنشآت النفطية والملاحة والصواريخ والمسيّرات إلى تطوير قدرات دفاعية أكبر، وتعزيز الإنذار المبكر، وتنويع الشراكات الأمنية، وبناء قدرات وطنية لحماية المنشآت الحيوية.
والهدف هنا ليس خوض الحروب، وإنما تقليص قابلية التعرض للابتزاز.
وتمتلك الدولة التي تستطيع حماية مجالها الجوي وموانئها ومنشآتها النفطية وشبكاتها التجارية مساحة أكبر للمناورة السياسية. وكلما زادت قدرتها على الردع، قلت حاجتها إلى الاعتماد على أطراف مسلحة غير حكومية لمواجهة التهديدات.
وهذا يعكس تحولًا مهمًا: الأمن الإقليمي لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره مسألة تحالفات خارجية أو مظلات حماية، وإنما باعتباره قدرة وطنية وإقليمية على منع الآخرين من فرض قواعدهم.
من حروب الوكالة إلى صراعات أكثر مباشرة؟
مع ذلك، فإن عودة الدولة إلى مركز القرار لا تعني بالضرورة أن المنطقة ستصبح أكثر سلمًا. فهناك مفارقة يجب الانتباه إليها: عندما تستعيد الدول قرارها الاستراتيجي، قد تصبح المواجهات أكثر وضوحًا، لكنها قد تصبح أيضًا أكثر مباشرة.
الحرب بالوكالة تسمح أحيانًا للدول بترك مساحة للإنكار أو التراجع. أما عندما تدخل الدولة نفسها على خط المواجهة، فإن تكلفة التصعيد ترتفع، لكن احتمالات ضبط القرار تصبح أوضح.
وهذا قد يؤدي إلى شكل جديد من الردع الإقليمي يقوم على حسابات الدول المباشرة بدلًا من الاعتماد المفرط على القوى غير الحكومية.
لكن نجاح هذا النموذج يتوقف على قوة مؤسسات الدولة. ففي الدول التي تمتلك جيوشًا ومؤسسات سياسية مستقرة، يمكن إعادة دمج أدوات النفوذ غير المباشر ضمن استراتيجية وطنية. أما في الدول التي تعاني انقسام السلطة، فإن الوكلاء سيستمرون في ملء الفراغ.
ولذلك سيكون من المبكر الحديث عن "نهاية عصر الوكلاء". ما يحدث أقرب إلى انتقال من نموذج إلى آخر.
الوكيل لن يختفي، لكنه لن يكون بالضرورة صاحب القرار الاستراتيجي. والدولة لن تتخلى عن النفوذ غير المباشر، لكنها ستصبح أكثر إدراكًا لكلفة فقدان السيطرة على أدواتها.
وقد يتشكل في الشرق الأوسط نموذج هجين: قوى غير حكومية تستمر في لعب أدوار عسكرية وسياسية، لكن سقف حركتها تحدده بدرجة أكبر حسابات الدول التي تنتمي إليها أو ترتبط بها، فيما تحاول الحكومات إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية باعتبارها المرجعية النهائية.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس من يملك الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل من يملك قرار استخدامها.
فالوكيل يستطيع أن يشعل جبهة، لكنه لا يستطيع دائمًا إطفاءها. يستطيع رفع تكلفة الحرب، لكنه لا يستطيع بالضرورة تحمل تبعاتها السياسية والاقتصادية. يستطيع تغيير قواعد الاشتباك، لكنه لا يملك دائمًا أدوات بناء السلام.
أما الدولة، فهي الجهة التي تملك القدرة على جمع عناصر القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية في استراتيجية واحدة.
ولهذا فإن التحول الحقيقي الذي قد يشهده الشرق الأوسط لا يتمثل في اختفاء الوكلاء، وإنما في استعادة الدولة لموقعها كمرجعية نهائية للحرب والسلام.
ومن طهران إلى بغداد وبيروت واليمن، تبدو المعركة المقبلة مرتبطة بإعادة رسم حدود العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة. فإذا نجحت الدول في استعادة احتكار القرار الأمني، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة يصبح فيها الوكيل أداة ضمن استراتيجية الدولة، لا بديلاً عنها.
أما إذا بقيت مؤسسات الدولة ضعيفة، فإن الوكلاء سيواصلون التمدد، وقد يتحولون من أدوات في صراعات إقليمية إلى مراكز قوة مستقلة قادرة على فرض أجنداتها على الدولة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة: قد لا يكون الشرق الأوسط على أعتاب نهاية الحروب بالوكالة، لكنه بالتأكيد يقترب من نهاية المرحلة التي كان فيها الوكيل قادرًا على أن يحل محل الدولة في تحديد مسار الحرب ومصير السلام.