لبنان يراهن على الدبلوماسية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي
أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون الثلاثاء أن المفاوضات مع إسرائيل تحقق تقدماً، معتبراً أن المسار التفاوضي، رغم تعقيداته، يبقى الخيار الأفضل للبنان مقارنة بنتائج الحرب، في موقف يعكس تمسك بيروت بالحل السياسي كمدخل لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي واستعادة الاستقرار في الجنوب.
وقال عون إن المفاوضات «تحقق تقدماً»، مشيراً إلى أن حجم الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان انحسر منذ توقيع «صيغة الإطار»، وهو ما انعكس، بحسب الرئاسة اللبنانية، على تحسن نسبي في الأوضاع وعودة اللبنانيين إلى بلدهم خلال فصل الصيف.
ويستهدف المسار التفاوضي معالجة مجموعة من الملفات الأمنية والسياسية، في مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني، وترتيبات الحدود، إضافة إلى قضايا الأسرى وآليات مراقبة تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
ويعكس انتقال الطرفين إلى التفاوض حول هذه الملفات تحولاً في إدارة الأزمة، بعدما كانت الأولوية خلال المرحلة السابقة لوقف العمليات العسكرية وتثبيت خطوط التهدئة. إلا أن الانتقال إلى مرحلة الترتيبات السياسية والأمنية أكثر صعوبة، لأن القضايا المطروحة تمس مباشرة حسابات الأمن القومي لكل من لبنان وإسرائيل.
وبالنسبة إلى بيروت، فإن الانسحاب الإسرائيلي يمثل جوهر أي تسوية. فقد شدد عون على أن لبنان لن يقبل ببقاء القوات الإسرائيلية على أراضيه، مؤكداً أن الهدف يتمثل في استعادة كامل الأراضي اللبنانية وعودة الأسرى وإعادة إعمار المناطق التي تضررت خلال الحرب.
وتحاول الرئاسة اللبنانية تقديم التفاوض باعتباره وسيلة لاستعادة الحقوق، وليس بديلاً عن المطالب اللبنانية. فطرح عون يقوم على أن التهدئة المستدامة لا يمكن أن تتحقق مع استمرار الاحتلال أو بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وأن الحل السياسي ينبغي أن يقود في النهاية إلى تثبيت سيادة الدولة على كامل أراضيها.
لكن هذه الرؤية تصطدم بحسابات إسرائيلية مختلفة. فتل أبيب تربط أي انسحاب إضافي بمدى قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته على المناطق التي ينتشر فيها، وضمان عدم عودة حزب الله إلى النشاط العسكري فيها.
ولذلك يبقى حجم الانسحاب الإسرائيلي وتسلسله وآليات التحقق منه من أكثر الملفات حساسية في المفاوضات.
وتكشف هذه النقطة أن الخلاف بين الجانبين لا يتعلق فقط بمبدأ الانسحاب، وإنما بالضمانات التي سترافقه. فلبنان يريد انسحاباً يضع حداً للوجود العسكري الإسرائيلي، بينما تسعى إسرائيل إلى الحصول على ترتيبات أمنية تضمن عدم تحول الأراضي التي تنسحب منها إلى مصدر تهديد جديد.
وفي هذا السياق، تبرز قضية سلاح حزب الله باعتبارها إحدى أكثر العقد تعقيداً أمام استكمال الاتفاق. فقد أعلن الحزب مراراً رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، معتبراً ذلك تنازلاً، بينما تسعى السلطات اللبنانية إلى إدارة الملف من خلال مؤسسات الدولة وترسيخ احتكارها للقرار الأمني والعسكري.
ويضع هذا التباين الحكومة اللبنانية أمام معادلة دقيقة: فهي مطالبة بالتفاوض مع إسرائيل لضمان الانسحاب ووقف الاعتداءات، وفي الوقت نفسه مطالبة بمعالجة وضع السلاح خارج مؤسسات الدولة.
ومن ثم، فإن نجاح المفاوضات لن يعتمد فقط على التفاهم بين بيروت وتل أبيب، وإنما أيضاً على قدرة الدولة اللبنانية على بناء توافق داخلي حول مستقبل السلاح والقرار الأمني.
وتكتسب جولات التفاوض الأخيرة أهمية في هذا السياق، خصوصاً بعد عقد لقاءات في روما شهدت تقدماً في بعض الملفات، من بينها بحث قائمة دول يمكن أن تشارك في مراقبة تنفيذ الترتيبات المتعلقة بسلاح حزب الله.
وإذا تطورت هذه الآلية، فقد تشكل محاولة لتوفير ضمانات دولية تساعد على سد الفجوة بين المطالب اللبنانية والهواجس الإسرائيلية.
لكن وجود آلية مراقبة دولية لا يحل بالضرورة الخلافات السياسية الأساسية. فإسرائيل تريد ضمانات ملموسة بشأن منع النشاط العسكري لحزب الله، بينما يركز لبنان على الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية وإعادة إعمار المناطق المتضررة. وبين المطلبين، تبدو الحاجة إلى صيغة متدرجة تسمح بتحقيق مكاسب متزامنة للطرفين.
الرئاسة اللبنانية تحاول تقديم التفاوض باعتباره وسيلة لاستعادة الحقوق، وليس بديلاً عن المطالب اللبنانية.
ويأتي ذلك على خلفية كلفة إنسانية واقتصادية ثقيلة للحرب الأخيرة، إذ تقول السلطات اللبنانية إن العمليات الإسرائيلية منذ مارس الماضي أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى وتسببت في نزوح أكثر من مليون شخص.
ولذلك، فإن أي تقدم في المفاوضات يحمل أهمية مباشرة بالنسبة للبنان الذي يحتاج إلى تثبيت الهدوء وبدء إعادة الإعمار وإعادة السكان إلى مناطقهم.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تأكيد عون أن التفاوض أفضل من الحرب باعتباره رسالة إلى الداخل والخارج في آن واحد. فالسلطات اللبنانية تريد التأكيد أن استعادة الحقوق لا تستوجب بالضرورة العودة إلى المواجهة العسكرية، وأن الدولة تحاول استخدام المسار السياسي والدبلوماسي لتقليص الخسائر وحماية مصالحها.
وفي الوقت نفسه، يوجه موقف عون رسالة داخلية واضحة بشأن مشروع الدولة. فالرئيس اللبناني يربط إنهاء الاحتلال بإعادة بناء مؤسسات الدولة، ويؤكد أن الهدف لا يقتصر على إنهاء الحرب الحالية، وإنما وضع حد لدورات متكررة من الصراع تجعل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للمواجهات.
وتتجاوز هذه الرؤية مسألة الحدود، لتصل إلى طبيعة القرار السيادي في لبنان. فإذا نجحت المفاوضات في تثبيت الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني ومنع استخدام الأراضي اللبنانية في أعمال عسكرية خارج إطار الدولة، فقد يشكل ذلك تحولاً مهماً في ميزان القوى الداخلي، ويعزز موقع المؤسسات الرسمية في إدارة الملف الأمني.
غير أن الطريق لا يزال طويلاً أمام اتفاق نهائي. فاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والخلاف حول مناطق الانسحاب المقبلة، وموقف حزب الله من المفاوضات، كلها عوامل يمكن أن تعيد المسار إلى نقطة التوتر. كما أن أي حادث أمني كبير قد يختبر قدرة الطرفين على الحفاظ على قنوات الحوار.
ولهذا، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الدبلوماسية على تحويل التقدم المحدود إلى اتفاق قابل للتنفيذ. فالنجاح لا يتطلب فقط التوصل إلى نص سياسي، وإنما وضع آليات واضحة للانسحاب، وضمان انتشار الجيش اللبناني، وتحديد دور المراقبين، ومعالجة ملف الأسرى، وتوفير ضمانات تحول دون العودة إلى التصعيد.
ويضع عون لبنان أمام خيار واضح: التفاوض باعتباره الطريق الأقل كلفة للوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي وترسيخ سيادة الدولة. غير أن تحقيق هذا الهدف سيبقى مرتبطاً بقدرة بيروت على إدارة التوازنات الداخلية، وباستعداد إسرائيل للانسحاب، وبإمكانية معالجة عقدة سلاح حزب الله ضمن تسوية أوسع.
وتقوم المعادلة التي تطرحها بيروت على أن نهاية الحرب يجب ألا تكون مجرد هدنة مؤقتة، بل بداية لترتيب أمني وسياسي جديد ينهي الوجود الإسرائيلي ويعيد الجنوب إلى كنف الدولة.
وبينما يبدو التفاوض أكثر واقعية من العودة إلى الحرب، فإن تحويل هذا الخيار إلى سلام مستدام سيحتاج إلى تنازلات متبادلة وضمانات دولية وتوافق لبناني قادر على الصمود.