235 دعوى قضائية.. شركات الأغذية الكبرى تحارب التشريعات الصحية حول العالم
كشف تحقيق استقصائي دولي أن شركات الأغذية فائقة المعالجة تستنزف اقتصادات العديد من الدول حول العالم.
والتحقيق الذي أجرته صحيفة الغارديان بالتعاون مع أكاديميين ومؤسسة Lighthouse Reports وعدد من المؤسسات الإعلامية في 4 قارات، كشف أن أكبر شركات "الأغذية فائقة المعالجة" في العالم رفعت مئات الدعاوى القضائية ضد حكومات سعت إلى فرض سياسات صحية تهدف إلى الحد من استهلاك الأطعمة غير الصحية.
ووفقاً للتحقيق، فإن هذه الشركات، التي تعلن في العلن دعمها لجهود الصحة العامة وتشجيع المستهلكين على اتخاذ خيارات غذائية واعية، استخدمت المحاكم في المقابل للطعن في التشريعات الصحية أو تأخير تنفيذها أو إضعافها.
235 دعوى خلال 15 عاما
وأظهر التحقيق أنه بين عامي 2010 و2025 تم رفع 235 دعوى قضائية ضد سياسات صحية تستهدف الأغذية فائقة المعالجة في المكسيك وكولومبيا والبرازيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
ولم يكن ممكناً تحديد الجهة التي تقف وراء جميع الدعاوى، إلا أن التحقيق خلص إلى أن ثلاثة أرباعها رفعتها شركات تصنيع الأغذية فائقة المعالجة أو جمعيات تجارية تمثل هذه الشركات. كما تبين أن بعض الشركات المشاركة في القضايا طلبت من المحاكم عدم الكشف عن أسمائها.
ومن بين القضايا التي أمكن تحديد هوية المدعين فيها، تبين أن 38% منها رفعتها 8 شركات أم هي: كوكاكولا وبيبسيكو ومونديليز وكيلوغز ودانون وفيريرو وزيغنوكس وهارتلاند فود برودكتس غروب.
خسارة معظم الشركات
ورغم أن ثلاثة أرباع الدعاوى القضائية المنتهية انتهت بخسارة شركات الأغذية، إلا أن التحقيق أشار إلى أن طول أمد هذه القضايا أدى إلى استنزاف الحكومات، كما أن عدداً من هذه القضايا، رغم انتهائها بالفشل، تسبب في تأخير تطبيق سياسات الصحة العامة لسنوات، كما استهلك وقتاً وموارد مالية وبشرية كبيرة لدى الحكومات والهيئات الصحية، التي اضطرت إلى خوض معارك قانونية معقدة ومكلفة.
ويرى خبراء أن هذه الدعاوى أسهمت في إطالة أمد أزمة الصحة العامة العالمية، وأدت إلى تحميل الدول مليارات الدولارات من تكاليف التقاضي والرعاية الصحية.
ويتزامن استمرار النزاعات القضائية مع تزايد استهلاك الأغذية فائقة المعالجة عالمياً، وهي منتجات أصبحت تشكل نحو نصف النظام الغذائي المتوسط في عدد من الدول، بينها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا.
وترتبط هذه المنتجات، بحسب التحقيق، بارتفاع معدلات السمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والاضطرابات النفسية.
وأشار التحقيق إلى أن الأغذية فائقة المعالجة تُنتج بطرق صناعية، باستخدام مكونات لا توجد عادة في المتاجر المنزلية، وغالباً ما تحتوي على إضافات مثل المنكهات والألوان الصناعية والمستحلبات، لجعلها أكثر جاذبية واستساغة.
كما استند التحقيق إلى مراجعة علمية أجراها 43 خبيراً دولياً ونشرت العام الماضي في مجلة ذا لانسيت، والتي خلصت إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بهذه المنتجات ترتبط بالإفراط في تناول الطعام، وانخفاض القيمة الغذائية، وزيادة التعرض للمواد الكيميائية والإضافات الضارة.
سياسات صحية تواجه مقاومة شرسة
واعتمدت حكومات عديدة خلال السنوات الماضية سياسات للحد من استهلاك الأغذية فائقة المعالجة، شملت وضع ملصقات تحذيرية على واجهة العبوات، وفرض قيود على تسويق المنتجات غير الصحية، خصوصاً للأطفال، فرض ضرائب على الأطعمة غير الصحية.
لكن التحقيق يؤكد أن هذه الإجراءات واجهت مقاومة قوية من الشركات، التي استخدمت إلى جانب التقاضي وسائل أخرى مثل الضغط على صناع القرار، إنشاء شراكات بين القطاعين العام والخاص، التأثير في النقاشات العلمية.
وكانت صحيفة الغارديان قد كشفت في العام الماضي أن الحكومة البريطانية تخلت عن إصدار إرشادات جديدة كانت تدعو المتاجر إلى الترويج للأطعمة قليلة المعالجة والغنية بالعناصر الغذائية، عقب حملة ضغط مارستها شركات الأغذية فائقة المعالجة.
كما كشفت الصحيفة عام 2024 أن 3 من أصل 5 علماء شاركوا في لجنة خبراء اعتبرت أن الأغذية فائقة المعالجة تتعرض لـ"شيطنة غير عادلة"، كانت لديهم علاقات مع أكبر الشركات المصنعة لهذه المنتجات.
ونقل تقرير الغارديان عن أستاذة التغذية ودراسات الغذاء والصحة العامة في جامعة نيويورك، ماريون نيستل، إن الشركات "لن تقاتل بهذه الشراسة لو لم تكن السياسات الصحية فعالة". واعتبرت أن شركات الأغذية تتبع الأساليب نفسها التي استخدمتها شركات التبغ لعقود طويلة.
وقالت الأستاذة المشاركة في المعهد الفرنسي الوطني للصحة والبحوث الطبية، ميليسا ميالون، إن "الصناعة لا تريد ملصقات الواجهة لأنها الخطوة الأولى لتصنيف المنتجات بحسب مدى صحتها، وبعدها يصبح فرض الضرائب عليها أو حظر تسويقها أكثر سهولة."
وقالت المتخصصة القانونية في تغذية الأطفال بمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، كاثرين شاتس، إن هذا الأمر منطقي لأن أمريكا اللاتينية تعد رائدة عالمياً في تبني سياسات غذائية صارمة، ما جعلها ساحة اختبار رئيسية للابتكار في الصحة العامة ولمقاومة الصناعة في الوقت نفسه.