عبدالباسط عبسي.. صوت الفلاحين في اليمن
يعد الفنان عبدالباسط عبسي رمز من رموز الأغنية اليمنية، التي نجحت في تخليد التراث الموسيقي الريفي والتعزي تحديدًا، نسبة إلى محافظة تعز.
ولد الفنان عبسي في أربعينيات القرن الماضي بمنطقة "الأعبوس" بمحافظة تعز، وسط بيئة ريفية ساحرة ألهمت حسه الفني مبكرًا، وعاش طفولته بين الجبال والمدرجات الزراعية، وتشرّب الأهازيج الشعبية و"المهاجل" (أغاني الفلاحين أثناء الزراعة والحصاد).
وفي شبابه، انتقل إلى مدينة عدن، والتي كانت حينها منارةً ثقافيةً وفنية كبرى في الجزيرة العربية، والتقى هناك كبار الفنانين والمثقفين، وبدأت موهبته تتبلور بشكل احترافي.
تميز باجتهاده وشغفه، فتعلم عزف العود وإتقان المقامات الموسيقية، مستفيدًا من المناخ الفني المنفتح في عدن، ثم امتدت مسيرته الفنية لعقود، وصار صوته رفيقًا للمغتربين، والفلاحين، والعشاق المحبين على حد سواء.
التعاون مع كبار الشعراء
تمتعت أغاني عبدالباسط عبسي بعمق شعري فريد، وذلك بفضل تعاونه مع نخبة من كبار شعراء اليمن الذين برعوا في صياغة القصائد الغنائية.
ومن أبرزهم: الدكتور سلطان الصريمي الذي شكّل معه ثنائيةً غنائية غيرت مجرى الأغنية التعزية، وقدّم معه روائع تعبر عن قضايا المجتمع والغربة مثل "مسعود هجر" و"خذني معك".
كما رفده الشاعر أحمد الجابري بقصائد عاطفية وإنسانية بالغة العذوبة والعمق، بالإضافة إلى تعاونه مع الشاعر الكبير عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول)، وغنى من كلماته بعض الأعمال الوطنية والعاطفية.
الشاعر الفتيح.. المكتشِف
كانت مرحلة التعارف والتعاون بين الفنان عبدالباسط عبسي، والشاعر الكبير محمد عبدالباري الفتيح، نقطةً مفصلية في حياة عبسي الفنية والغنائية.
فقبل أن يسهم الفتيح في إثراء رصيد الفنان عبدالباسط عبسي بأغانٍ لامست تفاصيل الحياة اليومية والريفية، كان سببًا في الحفاظ على صوته والاعتناء به.
وفي هذا الصدد، يقول الصحفي اليمني، مطر الفتيح، نجل الشاعر محمد عبدالباري الفتيح، إن والده ارتبط بالفنان عبدالباسط عبسي بعلاقة فنية وإنسانية وثيقة، بدأت في محافظة الحديدة.
ويضيف مطر الفتيح في تصريح خاص لـ"العين الإخبارية"، أن خلاصة ذلك الارتباط كان إيمان الشاعر الفتيح بموهبة عبدالباسط عبسي واكتشافها ورعايتها منذ بدايتها.
ويشير مطر إلى أن والده اعتاد على تبني الواعدين من المواهب والدفاع عن أحلامهم، فاحتضن عبدالباسط منذ بداياته، وأسهم في توجيهه نحو التفرغ للفن والحفاظ على موهبته.
ولفت الصحفي اليمني إلى أن الفنان عبسي كان يعمل في المصوغات الذهبية، التي تتطلب استخدام ثاني أكسيد الكربون، فاجتهد الشاعر الفتيح للحفاظ على صوت الفنان عبدالباسط عبسي من الأدخنة والغازات، والتي كادت أن تؤثر على صوته وحنجرته.
ويكمل: "الشاعر الفتيح طلب من شقيق الفنان عبدالباسط عبسي وترجاه أن يُبعده عن هذه المهنة حتى يحافظ على صوته، وهو ما فعله الشقيق المؤمن بموهبة شقيقة، ولهذا كان الفتيح ممتنًا لهذه الاستجابة، ويرى أن الحركة الفنية والثقافية تُدين لشقيق عبسي بحماية صوت شقيقه".
وأشار مطر الفتيح إلى أن التعاون بين والده الشاعر محمد الفتيح، والفنان عبدالباسط عبسي أثمر أعمالًا خالدة تصدرتها "واقمري غرد" التي شكّلت نقطة التحول في مسيرة عبسي، وأعقبتها أعمال قوية راسخة منها: "ما أمر الرحيل"، "الزفة" "من ألف ليلة"، "راجع"، و"لا أين" .
دوره الفني والغنائي
كان للفنان عبدالباسط عبسي، دور في تعزيز وتطوير اللون الغنائي التعزي، فلم لم يكن مجرد مؤدٍ، بل كان مجددًا وباعثًا للهوية الموسيقية لمناطق وسط اليمن، تعز وما جاورها.
حيث أحيا المهاجل والزوامل الريفية، ونقل أغاني الفلاحين والنساء في الحقول من الشفاهية إلى التسجيل والتوثيق الاحترافي بثوب موسيقي حديث.
وبات عبسي "صوت المغتربين" من خلال أغانيه المعبرة عن وجع "الغربة" لدى أبناء اليمن، كما انتقد بعض الظواهر الاجتماعية بذكاء وسلاسة، مثل أغنية "بُشرى"؛ ما جعل فنه وسيلة للتنوير، وحافظ على "اللهجة التعزية" بجاذبيتها، وحوّل مفرداتها الريفية البسيطة إلى لغة شعرية يتذوقها كل أبناء اليمن والعالم العربي.