الشرع: براغماتي في محيط من الأيديولوجيا
ديسمبر 2024، حين وقف أحمد الشرع أمام الكاميرات في دمشق ليُخاطب السوريين لأول مرة بوصفه الرجل الذي يقود مرحلة ما بعد الأسد، كانت التوقعات تتراوح بين الحذر والخوف. رجلٌ قادم من خندق الجهاد المسلح، يتسلّم دولة منهكة تتقاطع عليها مصالح عشرة لاعبين دوليين على أقل تقدير، ويواجه اقتصاداً مدمَّراً وملايين المهجَّرين ومخزوناً هائلاً من الكراهيات الداخلية المتراكمة. كان من حق المراقبين أن يتوقعوا خطابا أيديولوجيّا يُعيد رسم سوريا على صورة مشروع آخر.
ما فعله الشرع كان مغايراً. وما أثبته منذ تلك اللحظة وحتى رسائله الأخيرة إلى لبنان هو أن البراغماتية يمكن أن تكون أيديولوجيا بحد ذاتها حين تُعتنق بعقل بارد وقلب مفتوح على إمكانات الواقع.
اليوم الأول يُخبر عن المسار
لم يكن الخطاب الأول للشرع بعد توليه السلطة مجرد كلمات مُصاغة لاسترضاء الغرب أو تهدئة الداخل. كان وثيقة سياسية بمعنى دقيق. شدّد على السيادة الوطنية لا باعتبارها شعاراً منبرياً بل بوصفها إطار عمل: سوريا لن تكون ساحة لمشاريع الآخرين، لكنها لن تُغلق الأبواب على أحد. فكّ الاشتباك بين هذين الموقفين المتوترين هو في جوهره تحدي قيادته كلها.
الخطوة الأولى الأشد دلالة على هذا التوجه كانت إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك مع إسرائيل، الاتفاق الموقَّع عام 1974 الذي ظل طوال عقود البشير الرمزي للصراع المجمَّد. بالنسبة إلى زعيم جاء من خلفية نضالية تعدّ التطبيع مع إسرائيل خيانةً، كان الإبقاء على هذا الاتفاق وتفعيله عملياً رسالةً واضحة: ليس ثمة أيديولوجيا مقدسة فوق مصلحة الدولة. الاتفاق ليس سلاماً ولا تطبيعاً، هو آلية لإدارة الحدود وتجنّب النزاع. وهذا بالضبط ما تحتاجه دولة منهكة في سنتها الأولى.
أحمد الشرع… رئيس جاء من قلب الصراع المسلح ليُحوّل بلده من ساحة حروب بالوكالة إلى فاعل مستقل يسعى إلى الاستقرار
على الصعيد الاقتصادي طرح الشرع رؤية تكشف عن ذهنية مختلفة. بدلاً من نماذج الاقتصاد الأيديولوجية التي ميّزت دول الثورات، اتجه نحو ما يمكن تسميته “براغماتية الجغرافيا”: سوريا كممرّ طاقة إقليمي، وسوريا كمستفيدة من الكفاءات المهجَّرة، خاصة الجالية السورية في ألمانيا التي تضم عقولاً تقنية وأكاديمية واقتصادية يمكنها المشاركة في إعادة الإعمار. هذه الرؤية لا تنتمي إلى خطاب الثورة الكلاسيكية. إنها تنتمي إلى لغة مدير تنفيذي يفهم أن رأس المال البشري لا يُستورَد بالأوامر بل يُستقطَب بالفرص.
واشنطن وموسكو وبكين في وقت واحد
أن تتعامل مع ثلاث قوى عظمى في آنٍ واحد دون أن تكون حليفاً لأيٍّ منها هو من أصعب التوازنات في السياسة الدولية. الشرع يسعى إلى ذلك بوعي واضح.
لقاؤه مع المبعوث الأميركي توم براك في أنطاليا كان توقيته لافتاً: بُعيد الانسحاب الأميركي من بعض النقاط السورية. اختيار أنطاليا التركية لا واشنطن ولا دمشق يقول شيئاً: الشرع يُفاوض كنظير لا كمحتاج، ويُبقي مسافةً جغرافية تُجسّد مسافة سياسية مُعلنة. رسالته الأساسية: سوريا تريد علاقات طبيعية مع واشنطن، لكنها لن تكون ورقة في أي إستراتيجية أميركية تجاه إيران أو روسيا.
في الوقت ذاته، لم تنقطع خيوط التواصل مع موسكو. روسيا التي ضخّت دماءها العسكرية في ديمومة نظام الأسد لسنوات باتت في موقف بالغ التعقيد: حضورها العسكري على الأراضي السورية (القاعدة البحرية في طرطوس وقاعدة حميميم الجوية) بات مرهوناً بالإذن السوري. الشرع لم يطرد الروس ولم يُبارك وجودهم بالكامل. يُبقيهم في منطقة الغموض المحسوب، حيث موسكو تحتاج إلى حسن نيّته أكثر مما يحتاج إلى ودّها. وهذا نادراً ما يُدركه الزعماء: القوة في العلاقة مع الأقوى لا تُقاس بحجم جيشك، بل بحجم ما يحتاجه منك.
أما زيارات شقيق الرئيس والوجه التنفيذي للدبلوماسية الجديدة، إلى باريس وأثينا وأنقرة وموسكو، فتكشف عن منهجية مدروسة في تنويع الاتصالات. باريس تُمثّل بوابة أوروبا ومدخلاً لملف العقوبات. أثينا تمنح إشارةً إلى الرغبة في بناء علاقات متوازنة داخل الفضاء الأوروبي دون حساسيات تركية. أنقرة، الحليف الأقرب والأكثر تأثيراً في المشهد السوري منذ سنوات. وموسكو، كتأكيد على أن التقارب مع الغرب لا يعني قطيعة مع المحور الآخر. هذا ليس تناقضاً، بل هندسة دبلوماسية.
حوارات صعبة في بلد مُتشقّق
البراغماتية في السياسة الخارجية أهون نسبياً من البراغماتية في الداخل. في السياسة الخارجية يمكنك التأجيل والتعمية والإبهام المحسوب. في الداخل، تصطدم بناس يحملون ذاكرة جراحهم بشكل يومي.
الحوار مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذي أطلقه الشرع هو من أشجع قراراته سياسياً، وأكثرها تكلفةً شعبياً في بعض الأوساط المؤيدة له. قسد، في نظر قطاعات من الرأي العام الذي ساند الثورة السورية، كانت جزءاً من معادلة أميركية تجزئ سوريا. أن يُجلسها الشرع إلى طاولة حوار ويُقرّ بحضورها الفاعل على الأرض هما اعتراف بالواقع على حساب السردية، وهذا بالضبط ما تفعله البراغماتية: تقرأ الخريطة كما هي لا كما تودّ أن تكون.
ملف المياه مع الأردن حول حوض اليرموك هو مثال آخر على هذه الذهنية. المياه في منطقة تشحّ فيها كل عام ليست مسألة تقنية بل جيوسياسية. الشرع اختار مقاربة التعاون على مقاربة الاحتجاج، وأرسل رسالة إلى عمّان تُعيد تأسيس العلاقة على أرضية المصالح المشتركة. الأردن، البلد الذي يحتضن ملايين اللاجئين السوريين ويعاني اقتصادياً من تداعيات الأزمة السورية، يستقبل هذه الرسالة بعين المصلحة قبل عين العاطفة. والشرع يعرف ذلك.
لبنان: ذروة المسار البراغماتي
في تصريحاته الأخيرة للإعلامي اللبناني طوني خليفة، قال الشرع جملة تبدو بسيطة لكنها بالغة التعقيد في سياقها: سوريا لا تضمر للبنانيين إلا الخير. جملة كهذه تحتاج إلى قراءة تاريخية لاستيعاب ثقلها. العلاقة السورية – اللبنانية حمّالة أوجه: نصف قرن من الاختراق السوري للحياة السياسية اللبنانية، من الوصاية إلى الاغتيالات إلى الدعم الانتقائي للفصائل. لبنانيون يحملون ذاكرة جيل الاحتلال وما أعقبه. أن يُعلن رئيس سوري أن بلاده تريد الخير للبنان من خلال مؤسساته الرسمية لا من خلال وكلاء، هو قطع مع منهج عمره عقود.
الدلالة الأعمق في الرسائل إلى لبنان هي التوضيح المتكرر: أي مبادرة سورية ستكون عبر مؤسسات الدولة اللبنانية لا خارجها
الدلالة الأعمق في الرسائل إلى لبنان هي التوضيح المتكرر: أي مبادرة سورية ستكون عبر مؤسسات الدولة اللبنانية لا خارجها. هذا التأكيد يُخاطب مخاوف لبنانية مزدوجة: من ناحية، الخشية من عودة الدور السوري بثوب جديد. ومن ناحية أخرى، الخشية من أن دمشق الجديدة ستنتهج سياسة الاستهداف عوض سياسة الشراكة. الشرع يقول للبنانيين: لن نتجاوز دولتكم للوصول إلى فصائلكم، ولن نشتري علاقة مع حزب الله على حساب مؤسسات الدولة.
موقفه من حزب الله يكشف عن هذا التوازن الدقيق. حزب الله كان حليف النظام الذي قاتله. حزب الله أيضاً قوة لبنانية حاضرة تمتلك سلاحا وجمهورا ونفوذا. ومع ذلك، الشرع لا يستبعده ولا يحتضنه، بل يُعيد تأطير العلاقة على أساس لبناني داخلي: ما يحدث مع حزب الله هو شأن تُحدده مؤسسات الدولة اللبنانية، وليس شأناً تتفاوض عليه دمشق وطهران فوق رأس بيروت.
في هذا الموقف حكمة إستراتيجية عميقة. الشرع يعرف أن أي تدخل سوري مباشر في الملف الحزبي اللبناني، في أي اتجاه، سيُكلّفه سياسيا دوليا ومحليا. الموقف الأذكى هو دعم الدولة اللبنانية الرسمية وتركها تُعيد رسم المعادلة الداخلية، في حين تبقى دمشق شريكاً مؤيدا لا وصيا راعيا.
ماذا يقول المسار؟
حين نضع رسائل لبنان في سياق المسار الكامل، منذ إعادة تفعيل اتفاقية 1974 إلى الحوار مع قسد مروراً بالتوازن بين القوى الكبرى، نجد خيطا واحدا يمتد: الشرع يُعرّف الشرعية بالإنجاز لا بالأيديولوجيا.
هذا نموذج مختلف تماما عن طرازين سائدَين في المنطقة. الطراز الأول هو زعيم الأيديولوجيا الذي يرسم خارطة الوطن على ورقة مبدأ ثم يُصطدم بواقع لا يُشبهها. والطراز الثاني هو التكنوقراط البارد الذي يُدير الملفات دون أن يُقدّم رواية جامعة عن مشروع وطني. الشرع يجمع بين الاثنين بصورة نادرة: عنده مشروع وطني واضح (إنقاذ سوريا وإعادة بنائها)، لكنه يُدير تفاصيله بعقلية التكنوقراط البراغماتي.
التحدي الذي يواجهه ليس في الخارج في جوهره. الخارج قابل للإدارة حين يُقدَّم كل ملف على حدة وبالتسلسل الصحيح. التحدي الحقيقي هو في الداخل السوري المُثقَل. مجتمع خرج من حرب مديدة يحمل طبقات من الانقسام: مناطقيّا وطائفيّا وسياسيّا وأيديولوجيّا. المصالحة الوطنية الحقيقية، لا تلك المُصرَّح بها رسميا، تحتاج إلى وقت وموارد وجرأة في مواجهة حسابات ضيّقة لمن يرون في الوحدة تهديداً لامتيازاتهم.
وثمة مخاطرة أخرى تواجه الشرع: أن تُصبح براغماتيته مَوطن ضعف في يد خصومه. في المنطقة، القائد الذي يُنادي بالمصالح العملية في مقابل الشعارات الكبرى كثيراً ما يُتّهم بالتفريط والتنازل. إدارة هذه الاتهامات تحتاج إلى رواية وطنية متماسكة تجعل البراغماتية تبدو كحكمة لا كاستسلام، وهذا بالضبط ما تحاول رسائله إلى لبنان وغيرها أن تُؤسّس له.
من دولة الأزمة إلى مركز الاستقرار
الشرع يقدّم نفسه ويُقدَّم من حوله نموذجاً لم تعرفه المنطقة كثيرا: رئيس جاء من قلب الصراع المسلح ليُحوّل بلده من ساحة حروب بالوكالة إلى فاعل مستقل يسعى إلى الاستقرار. رسائله إلى لبنان ليست مجاملة دبلوماسية، بل تُتوِّج مسارا واضحا: سوريا تريد جيراناً مستقرين لأن استقرارها يبدأ من محيطها.
التقييم العادل لهذا المسار يستلزم قراءتين متوازيتين. الأولى ترى في الشرع قائداً استثنائياً يُقدّم دروساً للمنطقة في كيفية الانتقال من الأيديولوجيا إلى الحوكمة. الثانية تتساءل بمشروعية: هل تُترجَم هذه التصريحات إلى مؤسسات تعمل وعدالة تسود واقتصاد ينتعش؟ لأن البراغماتية في الخطاب دون برامج قابلة للتحقق تتحوّل إلى نوع آخر من الشعبوية، أهدأ صوتا لكنه لا يختلف في النتيجة.
ما يجعل اللحظة السورية استثنائية هو أن الشرع يملك هامشاً لا يملكه الكثير من الزعماء: انتظار شعبي يريد أن ينجح لأن البديل يعرفه الجميع، وفراغ سياسي يُتيح البناء من الصفر إذا توفّرت الإرادة والكفاءة، ومحيط إقليمي ودولي منهك من سنوات الأزمة السورية وقادر على تقديم دعم حقيقي لأي مسار يمنحه أملاً في الاستقرار.
النجاح ليس مضمونا. لكن المسار صحيح. وهذا في حد ذاته ليس أمرا مألوفا في تاريخ المنطقة.