عدن.. تحرير سعر الدولار الجمركي بين تعزيز الأمن الغذائي وهيكلة الاستدامة المالية
يتجه الوضع الاقتصادي اليمني في المرحلة الراهنة نحو تحول استراتيجي يتجاوز المعالجات الإسعافية، ليرتكز على بناء منظومة اقتصادية وإدارية تعيد ترتيب أولويات الإنتاج المحلي وهيكلة المالية العامة بما يضمن تعزيز الاعتماد على الموارد الذاتية الشحيحة. ويتبلور هذا المسار الهيكلي عبر حزمة من القرارات الهادفة بصورة تكاملية إلى ترسيخ مفاهيم السيادة الغذائية والاستقلال الاقتصادي، وذلك من خلال مسارين جمركيين متوازيين ومترابطين.. يقوم الأول منهما على التخلي الشامل عن الأسعار الوهمية وتحرير سعر الدولار الجمركي ليتماشى مع أسعار الصرف الحقيقية السائدة في الأسواق عند حدود 1500 ريال للدولار، بما يضع حدا للتشوهات السعرية المزمنة التي أضعفت كفاءة الإيرادات العامة طوال السنوات الماضية.. بينما يتجسد المسار الثاني في فرض رسوم تعويضية وحمائية بنسبة 20% على واردات الدقيق الجاهز ومياه الشرب المعبأة كخطوة استباقية مدروسة لتوفير مظلة أمان للمنتج المحلي، وتحفيز خطوط التصنيع الوطنية، واستعادة التوازن إلى الأسواق الداخلية.
وتأتي هذه الإجراءات كامتداد لتوجه تنموي بدأت ملامحه تتشكل بوضوح مع تدشين المعرض الأول للصناعات والمنتجات الوطنية.. الأمر الذي يترجم نمو الرؤية الرسمية نحو تفعيل أدوات الحماية الجمركية بمستوياتها المختلفة، وتعميق أطر الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص المستثمر وصولا إلى صياغة معادلة اقتصادية شاملة توازن بدقة بين تنمية الأوعية الإيرادية للدولة ودعم الطاقات الإنتاجية المحلية.. بما يمهد الطريق لتخفيف الأعباء المعيشية المتفاقمة عن كاهل المواطنين وموظفي الجهاز الإداري للدولة عبر شبكة حماية اجتماعية مرنة تسعى للحد من التداعيات التضخمية المصاحبة لهذه التحولات الاقتصادية والمالية.
أبعاد استراتيجية وسيادية
وفي هذا السياق التحليلي.. يبرز قرار تشجيع استيراد القمح (الحبوب الخام) كخيار استراتيجي لا غنى عنه لضمان استمرار دوران مطاحن ومصانع البلاد، والمحافظة الكاملة على الحصص التشغيلية لتسعة مطاحن وطنية كبرى تمثل في واقع الأمر الركيزة الصلبة للمخزون الاستراتيجي وصمام الأمان الغذائي الحقيقي لليمن في أوقات الأزمات.. وهو توجه يسهم بشكل فعال ومباشر في تقليص حالة الهشاشة والارتباك التي تصيب السوق المحلية جراء الانسحابات المفاجئة للمستوردين التقليديين الذين غالبا ما يفتقرون للأصول الرأسمالية الثابتة والقدرة على الصمود، لا سيما في ظل تصاعد حدة الاضطرابات البحرية والتقلبات الجيوسياسية العالمية المتسارعة التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة ومقلقة على سلاسل الإمداد الدولية وأسعار الغذاء العالمية.
وبالتوازي مع هذه الترتيبات الحمائية للإنتاج يأتي قرار تحرير الدولار الجمركي لينصهر في بوتقة مسار مالي وإصلاحي يستهدف بالدرجة الأولى توسيع الأوعية الإيرادية المتاحة وتنويع مصادر الدخل العام للحكومة الشرعية بهدف تعويض العجز الحاد والخطير الناجم عن توقف صادرات النفط الخام.. حيث تراهن السلطات المالية على توجيه العوائد والوفورات النقدية المتوقعة من هذا الإجراء نحو تمويل وبناء شبكة حماية اجتماعية قادرة على الصمود، من خلال التمويل المستدام ومعالجة الاختلالات والتشوهات المتراكمة منذ سنوات في ملف الأجور والعلاوات السنوية للموظفين والأكاديميين، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تعزيز الاستقرار المعيشي ويسهم بقوة في إعادة بناء جسور الثقة المتصدعة بين المواطن ومؤسسات الدولة الرسمية.
الأثر الاقتصادي في المدى القريب
حقيقة.. على الرغم من تصاعد موجات القلق والمخاوف المشروعة في الأوساط الشعبية والدوائر الاقتصادية من أن تؤدي هذه الحزمة من القرارات المتزامنة إلى صدمة تضخمية مباشرة ومفاجئة تنعكس سلبا على أسعار السلع الأساسية والخدمات الحيوية، فإن الرهان الحكومي المرتكز على خطط علمية يقوم على قدرة الآليات والتدابير التعويضية المرافقة للقرارات على احتواء هذه الصدمة وامتصاص آثارها الجانبية، بما يضمن تحقيق قدر مقبول من الاستقرار والتوازن داخل السوق المحلية عبر مسارين تكامليين.. المسار الأول (تنشيط القدرة الشرائية)، ويتحقق ذلك من خلال المباشرة بالضخ المالي المنظم والمستدام لقيمة العلاوات السنوية المستحقة لموظفي الدولة عن الأعوام (2021 ـ 2024)، بالتزامن مع الإفراج عن التسويات الوظيفية التي ظلت مجمدة لسنوات طويلة، مما يؤدي إلى رفد الأسواق المحلية بسيولة نقدية حقيقية ومباشرة تمكن موظفي الخدمة العامة من مجابهة الأعباء المعيشية الطارئة، ويسهم في نفس الوقت في تحريك الركود التجاري وتحفيز مستويات الطلب والاستهلاك في الأسواق الشابة. المسار الثاني (استدامة الخدمات الأساسية) ويتمثل في الاستغلال الأمثل للوعاء الجمركي الجديد المتوقع أن يرفد الخزينة العامة بإيرادات نقدية ذاتية تمكّن الحكومة من انتشال قطاع الخدمات العامة من حالته الراهنة عبر تحسين مستويات الإنفاق الحكومي على مشروعات المياه، والكهرباء، والطاقة، والصحة.. الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى تقليل الارتهان والاعتماد المفرط للمالية اليمنية على المساعدات والهبات والمنح الخارجية، ويمنح متخذ القرار المالي في عدن مساحة من المرونة والحرية في إدارة الأولويات الاقتصادية والخدمية الملحة وفقا للمتطلبات الوطنية.
.
رهان الاستدامة
مع كل ما تحمله هذه التحولات الجمركية والمالية من فرص وتطلعات، يظل نجاحها مرهونا بمدى قدرة مؤسسات الدولة وأجهزتها الرقابية على تحويل سياسات دعم المنتج المحلي من مجرد إجراءات ظرفية أو شعارات مؤقتة تفرضها الأزمات، إلى ثقافة اقتصادية راسخة وسياسة تشريعية مستدامة تحفز التوسع الاستثماري طويل الأجل وتحمي الأصول الإنتاجية القائمة من مخاطر الركود والاضطرار إلى تسريح العمالة وتآكل رأس المال.. وهو ما يتطلب حتما المضي قدما في تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة والمتمثلة في القرار الرئاسي رقم 11 لعام 2025 الذي وضع محددات تلزم كافة السلطات المحلية والمحافظات دون استثناء بتوريد جميع إيراداتها السيادية والمحلية مركزيا وبشكل فوري إلى حساب الحكومة العام في البنك المركزي اليمني بالعاصمة عدن، بالتوازي مع خوض معركة حقيقية لتجفيف منابع الجبايات العشوائية وإنهاء فوضى التحصيل غير القانوني، وإزالة كافة النقاط غير الرسمية المنتشرة في الممرات التجارية ومداخل المدن الرئيسية، وذلك لضمان تعزيز الانضباط المالي والحفاظ على الموارد من الهدر.
ختاما..
إن فرض قواعد الانضباط المالي الصارم، وتفعيل الأدوات والآليات القانونية لتحصيل ضريبة المبيعات، ومكافحة ظاهرة التهرب الضريبي والجمركي بشتى صورها، تمثل في مجموعها حجر الزاوية والأساس البنيوي الضروري لبناء اقتصاد وطني حديث.. منظم وقادر على إبداء أعلى مستويات المرونة والصمود أمام الأزمات العاصفة.. ومن خلال هذه التدابير الجمركية الشجاعة التي تعيد توظيف الموارد وتوجيهها لخدمة التنمية والإنتاج والاستقرار، يخطو اليمن أولى خطواته الثابتة والواثقة على طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي وبسط سيادته الغذائية المستدامة عبر موارده الذاتية.وة