اشتباكات دموية في الزاوية تعطل عمل أكبر مصافي النفط في غرب ليبيا
شهدت مدينة الزاوية الليبية، الجمعة، اشتباكات مسلحة بعد ساعات من إطلاق عملية أمنية واسعة تستهدف أوكار المجرمين والعناصر المطلوبة والخارجين عن القانون.
وقالت أوساط محلية، إن الاشتباكات جرت في محيط مصفاة الزاوية، بعدما اقتحمت قوات مشتركة تابعة للتشكيلات الأمنية المكلفة بقيادة محمد بحرون المعروف بـ”الفار” المنطقة السكنية المحيطة بالمصفاة، في مواجهة مباشرة مع عناصر يقودها محمد كشلاف الملقب بـ”القصب”.
وفي السياق، أعلنت شركة الزاوية لتكرير النفط، توقف مصفاة الزاوية عن العمل بشكل كامل، وإخلاء الميناء من الناقلات، عقب اندلاع الاشتباكات المسلحة صباح الجمعة في محيط المجمع النفطي، ما تسبب في حالة من القلق والخوف داخل مرافق الشركة.
وبحسب بيان صادر عن الشركة ، فإن المنطقة المحيطة بالمجمع شهدت اشتباكات مسلحة وتبادلًا لإطلاق النار منذ الساعات الأولى من صباح الجمعة، وتفاقمت حدتها بشكل سريع، ما أدى إلى سقوط قذائف من عيار ثقيل داخل عدد من المواقع التابعة للشركة، ووصول بعضها إلى مناطق التشغيل الحيوية.
وأوضح البيان، إن هذه التطورات دفعت إدارة الشركة إلى اتخاذ إجراءات طارئة عاجلة شملت إيقاف المصفاة بالكامل وإخلاء الميناء من الناقلات، وذلك حفاظًا على سلامة العاملين والمنشآت النفطية والبيئة المحيطة، في ظل استمرار متابعة الوضع الميداني عبر لجنة الطوارئ المفعلة منذ يوم الخميس بالتنسيق مع الإدارات المختصة.
وأكدت الشركة أن فرقها تتابع أوضاع العاملين داخل المرافق بشكل مستمر لضمان سلامتهم وتأمين احتياجاتهم، مع استمرار تقييم الأوضاع داخل المجمع النفطي، كما أعربت عن أسفها العميق للأحداث الجارية، مشددة على ضرورة وقف إطلاق النار فورًا، وداعية جميع الأطراف المتنازعة إلى إبعاد الصراعات المسلحة عن المناطق الحيوية ، داعية الجهات الرسمية في الدولة إلى التدخل العاجل لاحتواء الموقف، وضمان حماية المنشآت النفطية الحيوية، باعتبارها مرافق استراتيجية ترتبط بالصالح العام وأمن الدولة والمواطن.
وأكدت الشركة أن حماية الأرواح والمنشآت النفطية تمثل مسؤولية وطنية مشتركة، محذرة من أن أي تهديد لأمن هذه المنشآت ينعكس بشكل مباشر على مقدرات الشعب الليبي واستقرار قطاع الطاقة في البلاد.
وتعتبر مصفاة الزاوية الواقعة على بُعد نحو 40 إلى 45 كيلومترًا غرب العاصمة طرابلس، أكبر مصافي النفط في غرب ليبيا، كما تمثل ثاني أكبر مصافي البلاد بعد مصفاة راس لانوف، بطاقة تكريرية تصل إلى 120 ألف برميل يوميًا، وهي ترتبط بحقل الشرارة النفطي، الذي يُعد أكبر الحقول المنتجة في ليبيا بطاقة تصل إلى 300 ألف برميل يوميًا، ما يمنحها أهمية إستراتيجية كبيرة في منظومة الطاقة الليبية.
وأشارت تقارير محلية إلى أن الاشتباكات العنيفة خلفت خسائر بشرية ومادية، فيما دعا مركز طب الطوارئ والدعم في الزاوية الأهالي إلى التزام منازلهم وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، وسط حالة من التوتر الأمني المتصاعد.
وأوضح المركز أن فرق الطوارئ على أهبة الاستعداد للتدخل، مطالباً السكان بتوخي الحذر والتواصل عبر الأرقام المخصصة في حال تعرضهم لأي طارئ أو وجودهم في مناطق الاشتباكات.
وجاء التحذير في وقت تداولت فيه صفحات محلية أنباء عن مواجهات قرب مصفاة الزاوية، دون تأكيد رسمي لهوية الأطراف المتقاتلة.
كما جاءت هذه التطورات بعد ساعات قليلة من إعلان مديرية أمن الزاوية إطلاق عملية أمنية واسعة النطاق تستهدف أوكار المجرمين والخارجين عن القانون، بدعم من الغرفة الأمنية المشتركة وعدد من الأجهزة الأمنية، في محاولة لفرض سلطة الدولة وتجفيف منابع الجريمة.
وقالت المديرية إن تنفذ العملية بالتنسيق مع الغرفة الأمنية المشتركة وعدد من الأجهزة الأمنية عن إطلاق عملية واسعة تستهدف أوكار المجرمين والعناصر المطلوبة والخارجين عن القانون، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر من نوعها خلال الفترة الأخيرة لمواجهة حالة الانفلات الأمني.
وأوضحت أن العملية تستند إلى أذونات قانونية صادرة عن النيابة المختصة، وتشمل المداهمة والقبض والتفتيش والإحالة، مؤكدة أن الهدف هو ملاحقة المتورطين في جرائم خطيرة مثل تكوين العصابات الإجرامية، القتل والشروع فيه، الخطف، الاحتجاز القسري، الابتزاز، إضافة إلى الاتجار بالمخدرات وتهريب البشر والأسلحة والذخائر.
وشدد بيان المديرية على أن هذه الحملة تأتي ضمن خطة شاملة لفرض سلطة الدولة وتجفيف منابع الجريمة، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية لن تتهاون مع أي محاولة لعرقلة عملها أو مقاومة القوات المكلفة، وأن من يسلم نفسه طواعية سيُعامل وفق الإجراءات القانونية.
ودعت المديرية المواطنين إلى التعاون مع القوات الأمنية والإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة أو أماكن تستخدم كأوكار للعناصر المطلوبة، مشيرة إلى أن سلامة المواطنين وممتلكاتهم تمثل أولوية قصوى، وأن جميع الإجراءات تتم تحت إشراف النيابة العامة.
وجاءت اشتباكات الزاوية بعد أيام قليلة من اشتباكات مدينة صرمان المجاورة، حيث كان وزير الدولة لشؤون رئيس حكومة الوحدة الوطنية ومجلس الوزراء، محمد بن غلبون، أصدر مخاطبات عاجلة بناءً على تعليمات رئيس الوزراء وزير الدفاع، عبد الحميد الدبيبة، لكل من وكيل وزارة الدفاع ورئيس الأركان العامة وآمر المنطقة العسكرية الساحل الغربي، لاتخاذ إجراءات فورية على خلفية الاشتباكات المسلحة التي شهدتها بلدية صرمان مؤخراً.
وتضمن الخطاب توجيهات بضرورة تعزيز الوجود الأمني داخل حدود البلدية، لضمان استقرار الأوضاع الأمنية وحماية أرواح المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، مع التشديد على أهمية موافاة الجهات المختصة بتقارير دورية ومفصلة على مدار الساعة لمتابعة مستجدات الوضع الميداني في المدينة بشكل دقيق.
كما خاطب وزير الدولة محمد بن غلبون المدعي العام العسكري، لمباشرة فتح تحقيق شامل ومعمق في ملابسات وظروف الاشتباكات المسلحة التي وقعت في بلدية صرمان، مطالباً بالتنسيق الوثيق مع كافة الجهات المعنية بما يضمن ملاحقة المتورطين والجناة وتقديمهم للعدالة تحقيقاً لمبدأ سيادة القانون.
وفي وقت سابق، أعرب المجلس البلدي صرمان بمشاركة الجهات الرسمية والأمنية والاجتماعية خلال اجتماع طارئ عن بالغ الأسف والحزن لما شهدته المدينة من اشتباكات مسلحة أسفرت عن سقوط قتيل.
وأعلن المجلس الاتفاق الرسمي على الإيقاف الفوري والنهائي لإطلاق النار ورفض كافة المظاهر المسلحة والعمل على تثبيت التهدئة ومنع أي تصعيد مع التأكيد على التزام جميع الأطراف بعدم العودة لأي أعمال عسكرية ودعم الأجهزة الأمنية لتمكينها من حفظ الأمن وبسط النظام داخل المدينة وتفعيل لجان المصالحة والتواصل مع الأعيان لترسيخ السلم الأهلي وحصر الأضرار البشرية والمادية عبر لجنة مختصة لضمان حقوق المتضررين.
ويجمع المراقبون، على أن فوضى السلاح وانفلات الميلشيات لا يزالان يشكلان تهديدا لأمن واستقرار مدن الساحل الغربي وخاصة منها تلك الواقعة غربي العاصمة طرابلس كالزاوية وصرمان وصبراتة والعجيلات، وذلك في ظل عجز السلطات الحكومية على بسط نفوذ الدولة على تلك المناطق.
ويشير المراقبون إلى أن الوضع الأمني المتردي في غرب ليبيا لا يخدم إلا القوى المعرقلة لمبادرات الحل السياسي، وهو ما يجعل مراكز القرار السياسي تتعامل معه بتجاهل وإهمال وترفض اتخاذ الإجراءات والتدابير الملائمة لحل قضية الميلشيات والجماعات المسلحة الخارجة عن القانون.