الجم التونسية تعيد محاكاة مشاهد من الحياة القديمة للمدينة
في فعالية أعادت الجمهور التونسي إلى قرون مضت، احتضن مسرح "الجم"بمحافظة المهدية (وسط شرق) الدورة التاسعة للأيام الرومانية .
تهدف هذه التظاهرة السنوية إلى إحياء وتثمين التراث الثقافي الروماني للموقع الأثري بالجم، المُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 1979.
وجاب المشاركون شوارع المدينة مرتدين أزياء رومانية تاريخية، محاكين ما كان يُقام في القرن الثالث الميلادي وما قبله، وصولًا إلى المسرح الروماني حيث تُعرض المسرحيات القديمة وتُجسَّد المعارك.
وسافر متابعو الدورة التاسعة من مهرجان الأيام الرومانية بالجم، التي انطلقت الأحد وتستمر يومين، إلى عالم الميثولوجيا، من خلال استحضار واحدة من أشهر قصص الحب القديمة.
وبدأ الراوي، على وقع موسيقى تستحضر عمق التاريخ، في سرد حكاية الموسيقي الروماني أورفيوس، الذي توجّه إلى هاديس متوسلًا لاستعادة حبيبته يوريديس.
وتُعد أسطورة أورفيوس ويوريديس من أكثر قصص الحب تراجيدية في الميثولوجيا الإغريقية، التي تبنتها لاحقًا الحضارة الرومانية، حيث تُجسد قوة الموسيقى وحدود الإنسان أمام القدر.
وكان أورفيوس أعظم موسيقي وشاعر في عصره، قادرًا بعزفه على القيثارة على ترويض الوحوش وتحريك الصخور. أحب الحورية الجميلة يوريديس وتزوجها، لكن سعادتهما لم تدم طويلًا؛ إذ لدغتها أفعى سامة يوم زفافهما، ففارقَت الحياة على الفور.
ولم يحتمل أورفيوس فراقها، فخاض رحلة محفوفة بالمخاطر إلى العالم السفلي، مملكة الموتى التي لا يدخلها الأحياء، سعيًا لاستعادتها.
وعقب انتهاء العرض المسرحي، تابع الجمهور مشاهد المعارك داخل حلبة المسرح الروماني بالجم، حيث ارتدى المصارعون خوذاتهم وتسلحوا بالسيوف والدروع الثقيلة في مواجهات تنتهي عادة بموت أحدهم.
ويُعرف “المجالد” في التقاليد الرومانية بأنه المصارع الذي يخوض معارك دموية ضد مقاتلين أشداء أو حيوانات مفترسة لإمتاع الجمهور، وهو مقاتل محترف يقاتل حتى الموت.
وكان معظم المجالدين من العبيد وأسرى الحروب، يتم تدريبهم في مدارس أشبه بالسجون تحت إشراف مدربين من الجيش الروماني.
وفي هذا السياق، أوضح مدير المهرجان رضا حفيط أن الهدف من هذه العروض هو تقديم صورة حية لما كانت تشهده المدينة خلال القرن الثالث الميلادي.
وأضاف أن المسرح الأثري بالجم احتضن الفعاليات، وأسهمت صخوره العريقة في إضفاء طابع واقعي على العروض، خاصة مشاهد المصارعين.
وأشار إلى أن الدورة الحالية تضمنت محاضرات حول تاريخ المسرح الروماني وخصوصياته الهندسية، إلى جانب عروض فنية وملاحم قتالية.
وأكد أن المهرجان لم يقتصر على إعادة تمثيل الحياة الرومانية، بل شمل أيضًا ورشات ومعارض للصناعات التقليدية.
وتضم هذه التظاهرة أنشطة متنوعة تهدف إلى تثمين التراث الروماني بالموقع، من خلال فعاليات علمية وفنية وترفيهية.
وتشتهر مدينة الجم بمسرحها الروماني، المعروف أيضًا بـ“قصر الجم”، والذي يعود بناؤه إلى عام 238 ميلاديًا في عهد الإمبراطور غورديان الأول.
ويُعد هذا المسرح ثالث أكبر مسرح روماني في العالم بعد كولوسيوم روما، وأحد أبرز المعالم الأثرية في المنطقة.
ويُطلق مصطلح “كولوسيوم” على المدرجات الضخمة في الحضارة الرومانية، التي كانت تُقام فيها عروض المصارعين، والمسابقات الجماهيرية، وصيد الحيوانات، وإعادة تمثيل المعارك التاريخية.