السياسة الثقافية في الوطن العربي: تمكين أم تدجين؟

وكالة أنباء حضرموت

تُعدّ السياسة الثقافية إحدى أكثر السياسات العمومية حساسية وتعقيدًا في أي مجتمع، لأنها تمسّ جوهر الوعي الجمعي، وتؤثر في تشكيل الهوية، وتحدد علاقة الفرد بالسلطة وبالمجال العام. وفي الوطن العربي، تكتسب هذه السياسة بعدًا أكثر إشكالية، نظرًا إلى تاريخ طويل من التداخل بين الثقافة والسلطة، وبين الإبداع والرقابة، وبين التنوير والتوظيف الأيديولوجي.

من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تهدف السياسة الثقافية العربية إلى تمكين الإنسان والمجتمع، أم أنها أداة لتدجين الوعي وضبط المجال الرمزي؟

سياسة التدجين
جوهر الإشكال في السياسة الثقافية العربية يكمن في النظرة إلى الثقافة ذاتها إذ تُعامل بوصفها خطرا يجب احتواؤه

من حيث المبدأ، يُفترض أن تقوم السياسة الثقافية على دعم الإبداع الحر، وصيانة التنوع الثقافي، وتمكين المثقف والفنان من التعبير عن قضايا مجتمعه دون خوف أو إقصاء. فالثقافة ليست ترفًا ولا زينة خطابية، بل هي شرط أساسي للتنمية الشاملة، لأنها تصنع المعنى، وتؤسس للقدرة على النقد، وتفتح آفاق الخيال الاجتماعي. غير أن الواقع العربي يكشف عن فجوة عميقة بين هذا التصور النظري وبين الممارسة الفعلية، حيث غالبًا ما تُدار الثقافة بعقلية أمنية أو دعائية، لا بعقلية تنموية أو إنسانية.

لقد ارتبطت نشأة المؤسسات الثقافية الرسمية في كثير من الدول العربية بمشاريع الدولة الوطنية بعد الاستقلال، وكان من المفترض أن تكون هذه المؤسسات حاضنة للنهضة الفكرية والفنية. إلا أن مسار تطورها سرعان ما خضع لمنطق السلطة المركزية، فتحولت الثقافة في حالات كثيرة إلى ذراع ناعمة للشرعية السياسية، تُستخدم لإنتاج خطاب موحد، وتلميع الصورة الرسمية، وإقصاء الأصوات الناقدة أو المختلفة. وبهذا المعنى، لم تعد السياسة الثقافية معنية بتمكين المجتمع، بقدر ما أصبحت معنية بإدارة المجال الثقافي والتحكم فيه.

يتجلى هذا التدجين في أشكال متعددة، منها الرقابة الصريحة على الكتب والأعمال الفنية، أو الرقابة غير المعلنة عبر آليات التمويل والاحتواء. فالدعم الثقافي في كثير من السياقات العربية مشروط بالانسجام مع الخطاب الرسمي أو بعدم تجاوز الخطوط الحمراء، وهي خطوط غالبًا ما تكون فضفاضة، ما يدفع المبدع إلى ممارسة رقابة ذاتية قاسية. وبدل أن تكون الدولة راعية للتعدد والاختلاف، تصبح حَكَمًا أخلاقيًا وسياسيًا يحدد ما يجوز وما لا يجوز في مجال الفكر والفن.

ولا يقتصر الأمر على الرقابة، بل يمتد إلى نمط الإنتاج الثقافي ذاته. إذ تُفضَّل الفعاليات الاحتفالية والمهرجانات الشكلية على حساب المشاريع الثقافية العميقة والمستدامة، ويُحتفى بالكم على حساب النوع، وبالصورة الإعلامية على حساب الأثر المعرفي. وهكذا تتحول الثقافة إلى حدث عابر، منفصل عن هموم المجتمع وأسئلته الحقيقية، وتفقد قدرتها على الإسهام في بناء وعي نقدي أو في تحفيز الحوار المجتمعي.

في المقابل، لا يمكن إنكار وجود تجارب عربية تحاول، بدرجات متفاوتة، كسر هذا النمط، والسعي نحو سياسة ثقافية أكثر انفتاحًا وتمكينًا. فبعض المبادرات المستقلة، وبعض المؤسسات الثقافية التي تتمتع بهامش من الاستقلال، نجحت في خلق فضاءات بديلة للنقاش والإبداع، وطرحت أسئلة جريئة حول الهوية، والحرية، والعدالة، والذاكرة. غير أن هذه التجارب غالبًا ما تبقى هشة، لأنها تعمل في بيئات قانونية وسياسية غير داعمة، وتعاني من ضعف التمويل، أو من التضييق غير المباشر.

إن جوهر الإشكال في السياسة الثقافية العربية يكمن في النظرة إلى الثقافة ذاتها. فحين تُعامل الثقافة بوصفها خطرًا محتملًا يجب احتواؤه، أو أداة تزيينية تُستخدم عند الحاجة، فإن نتيجتها الحتمية ستكون التدجين. أما حين تُفهم الثقافة باعتبارها حقًا أصيلًا للمجتمع، ومجالًا للحوار الحر، ومصدرًا للقوة الناعمة الحقيقية، فإن التمكين يصبح خيارًا واقعيًا لا شعارًا نظريًا.

والتمكين الثقافي لا يعني الفوضى ولا القطيعة مع الثوابت، بل يعني إتاحة المجال لتعدد القراءات والتأويلات، والاعتراف بحق الاختلاف، واحترام ذكاء الجمهور. كما يعني الاستثمار في التعليم الثقافي، وفي المكتبات، وفي الترجمة، وفي الفنون الجادة، بدل الاكتفاء بالخطابات العامة والأنشطة الموسمية. فالسياسة الثقافية المُمكِّنة هي تلك التي تراهن على الإنسان، لا تلك التي تخشاه.

الثقافة هي المرآة
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، باتت السيطرة الكاملة على المجال الثقافي أكثر صعوبة، إذ وفّرت المنصات الجديدة فضاءات بديلة للتعبير والتفاعل، وكشفت محدودية السياسات التقليدية القائمة على المنع والإقصاء. غير أن هذا الانفتاح الرقمي لا يعوّض غياب سياسة ثقافية رسمية رشيدة، بل قد يزيد الفجوة بين الدولة والمجتمع إذا استمر التعاطي مع الثقافة بمنطق الريبة لا الشراكة.

إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت السياسة الثقافية العربية تُدجّن أو تُمكّن فحسب، بل كيف يمكن الانتقال من واقع التدجين إلى أفق التمكين. وهذا الانتقال يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإصلاحًا تشريعيًا يضمن حرية التعبير، واستقلال المؤسسات الثقافية، وإشراك المثقفين والفاعلين الثقافيين في صنع القرار، بدل التعامل معهم كموظفين أو مروّجين.

في المحصلة، تبقى الثقافة مرآة صادقة لعلاقة السلطة بالمجتمع. فإذا كانت هذه العلاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، انعكس ذلك تمكينًا وإبداعًا وتنوعًا. أما إذا كانت قائمة على الخوف والوصاية، فلن تنتج إلا ثقافة مُدجّنة، مهما بدا بريقها الخارجي.

ومن هنا، فإن مستقبل الثقافة في الوطن العربي مرهون بالاختيار بين هذين المسارين، وهو اختيار لا يخص النخب وحدها، بل يخص المجتمع بأسره، لأنه يتعلق بحقه في التفكير، والحلم، وصناعة المعنى، ولأنها لا تتعامل مع البنى المادية فقط، بل مع الوعي والخيال والقيم وأنماط التفكير. فهي التي ترسم الإطار الذي تتحرك داخله الفنون والآداب ووسائل التعبير، وتحدد سقف الحرية الممنوحة للمبدعين، كما تعكس في جوهرها طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

التمكين الثقافي لا يعني الفوضى والقطيعة مع الثوابت، بل يعني إتاحة المجال لتعدد القراءات والاعتراف بحق الاختلاف

وفي الوطن العربي، حيث لا تزال الدولة تلعب الدور المركزي في إدارة المجال العام، تصبح السياسة الثقافية مرآة دقيقة لمدى الإيمان بالإنسان بوصفه فاعلًا حرًا، أو النظر إليه باعتباره موضوعًا يجب ضبطه وتوجيهه. ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي: هل تتجه السياسة الثقافية العربية نحو تمكين المجتمع، أم أنها لا تزال أسيرة منطق التدجين؟

نظريًا، تقوم السياسة الثقافية الرشيدة على جملة من المبادئ، في مقدمتها حماية حرية التعبير، ودعم الإبداع المستقل، وضمان وصول الثقافة إلى مختلف الفئات الاجتماعية، وتعزيز التنوع بوصفه مصدر ثراء لا تهديد. فالثقافة، بهذا المعنى، ليست مجرد إنتاج فني أو نشاط ترفيهي، بل هي فضاء لتكوين المواطن النقدي، القادر على مساءلة الواقع وتخيل بدائل أفضل. غير أن هذا التصور يصطدم، في السياق العربي، بإرث طويل من الشك في الثقافة والمثقفين، واعتبار الكلمة الحرة خطرًا محتملًا على الاستقرار السياسي أو الاجتماعي.

لقد تشكلت السياسات الثقافية العربية الحديثة في سياق بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، حيث سعت الأنظمة الجديدة إلى توظيف الثقافة في ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، ومواجهة الاستعمار الثقافي، وبناء سردية رسمية للتاريخ والذاكرة. وكان هذا التوجه مفهومًا في لحظته التاريخية، لكنه مع مرور الزمن تحول، في كثير من الحالات، إلى نمط دائم من الاحتكار الرمزي، حيث باتت الدولة هي المنتج الأكبر، والممول شبه الوحيد، والرقابة النهائية على ما يُقال ويُعرض ويُنشر. وبهذا، انتقلت الثقافة من كونها مجالًا للنقاش والتفاعل، إلى مجال للإدارة والتوجيه.

يتجلى هذا التوجه التدجيني في طبيعة المؤسسات الثقافية الرسمية، التي غالبًا ما تعمل وفق منطق بيروقراطي محافظ، يفتقر إلى الرؤية النقدية بعيدة المدى. فبدل أن تكون هذه المؤسسات فضاءات حاضنة للتجريب والمغامرة الفكرية، تتحول إلى أجهزة تنظيم للفعاليات البروتوكولية، وإعادة إنتاج الخطاب السائد بصيغ جمالية محدودة التأثير. كما يُلاحظ أن اختيار القيادات الثقافية في كثير من الأحيان يخضع لمعايير الولاء والانسجام، أكثر مما يخضع للكفاءة والرؤية الثقافية، ما ينعكس مباشرة على مضمون السياسات والبرامج.

ولا يمكن الحديث عن التدجين الثقافي دون التوقف عند مسألة الرقابة، بوصفها إحدى أكثر الأدوات وضوحًا في ضبط المجال الثقافي. فالرقابة في السياق العربي لا تقتصر على المنع المباشر، بل تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا ونعومة، مثل التضييق الإداري، أو الحرمان من الدعم، أو الإقصاء من الفضاءات الرسمية. وهذا النوع من الرقابة غير المعلنة يدفع كثيرًا من المثقفين والفنانين إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة، خوفًا من العواقب، ما يؤدي في النهاية إلى إفراغ الإنتاج الثقافي من جرأته وأسئلته العميقة.

يظل السؤال حول تمكين الثقافة أو تدجينها سؤالًا مفتوحًا، لأنه يعكس صراعًا أعمق حول معنى المواطنة، وحدود الحرية، ودور الإنسان في المجال العام

إلى جانب ذلك، تعاني السياسة الثقافية العربية من نزعة استعراضية، تُفرغ الثقافة من بعدها المجتمعي. إذ يُلاحظ التركيز المفرط على المهرجانات والاحتفاليات الكبرى، التي تُنفق عليها ميزانيات ضخمة، دون أن يكون لها أثر مستدام في تنمية الذائقة العامة أو دعم البنية التحتية الثقافية. وفي المقابل، تعاني المكتبات العامة، ودور النشر الجادة، ومشاريع الترجمة، والمسارح المستقلة، من ضعف التمويل وقلة الاهتمام، رغم أنها تشكل العمود الفقري لأي نهضة ثقافية حقيقية.

غير أن المشهد الثقافي العربي ليس كتلة واحدة من الجمود. فثمة حراك ثقافي حي، تقوده مبادرات مستقلة، وجماعات فنية شابة، ومنصات رقمية، تسعى إلى كسر الاحتكار الرسمي، وفتح نوافذ جديدة للتعبير. وقد أسهمت التحولات الرقمية في توسيع هامش الحرية، وتجاوز بعض القيود التقليدية، حيث بات المثقف قادرًا على الوصول إلى جمهور واسع خارج القنوات الرسمية. إلا أن هذا الفضاء البديل، رغم أهميته، يظل هشًا، لأنه يفتقر إلى الحماية القانونية، ويعمل في ظل سياسات عامة لم تُحدَّث بعد لاستيعاب هذا التحول.

إن إشكالية السياسة الثقافية العربية لا تنفصل عن الإشكال السياسي العام، فالثقافة لا تزدهر في فراغ، بل تحتاج إلى مناخ من الحريات، وإلى دولة تثق بمواطنيها، وتؤمن بأن النقد ليس تهديدًا بل ضرورة. فالتمكين الثقافي الحقيقي لا يتحقق عبر الشعارات، بل عبر سياسات ملموسة تضمن استقلال المؤسسات الثقافية، وتفصل بين الدعم والرعاية من جهة، وبين الوصاية والتحكم من جهة أخرى. كما يتطلب التمكين إشراك المثقفين أنفسهم في صياغة السياسات الثقافية، بدل الاكتفاء بدور المتلقي أو المنفذ.

وتبرز هنا أهمية إعادة تعريف دور الدولة في المجال الثقافي، من سلطة موجِّهة إلى شريك داعم. فالدولة القوية ثقافيًا ليست تلك التي تفرض خطابًا واحدًا، بل تلك التي تحمي التعدد، وتدير الاختلاف بوعي، وتستثمر في الثقافة بوصفها قوة ناعمة حقيقية تعزز مكانتها داخليًا وخارجيًا. كما أن تمكين الثقافة يعني ربطها بقضايا المجتمع الحقيقية، من العدالة الاجتماعية إلى قضايا الشباب والمرأة والذاكرة والهوية، بدل عزلها في أبراج نخبوية أو قوالب رسمية جامدة.

وأخيراً، يظل السؤال حول تمكين الثقافة أو تدجينها سؤالًا مفتوحًا، لأنه يعكس صراعًا أعمق حول معنى المواطنة، وحدود الحرية، ودور الإنسان في المجال العام. فإما أن تُختار الثقافة كمسار للتحرر وبناء الوعي النقدي، وإما أن تُختزل إلى أداة للزينة السياسية وإدارة الرموز. والفرق بين الخيارين ليس فرقًا في الشكل، بل في مستقبل المجتمع ذاته. فالثقافة المُمكِّنة تصنع إنسانًا قادرًا على الفهم والمساءلة والإبداع، أما الثقافة المُدجَّنة فلا تنتج سوى الصمت الملوَّن، وهو صمت قد يبدو مستقرًا في الظاهر، لكنه يحمل في داخله كل بذور الانفجار.