المحادثات التجارية بين أمريكا والصين.. فرصة واختبار في آن واحد
اختتم كبار مسؤولي الاقتصاد من الولايات المتحدة والصين أول يوم في محادثات مقررة على مدى يومين في باريس الأحد.
تهدف المحادثات إلى تسوية الخلافات المحيطة بالهدنة التجارية بين البلدين وتهيئة الأجواء لزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، بين 31 مارس/آذار و2 أبريل/نيسان.
ومن المتوقع أن تركز المناقشات، التي يقودها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ على تعديل الرسوم الجمركية الأمريكية، وتدفق المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات المنتجة في الصين إلى المشترين الأمريكيين، والضوابط الأمريكية على تصدير التكنولوجيا المتطورة، ومشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية.
وذكر متحدث باسم وزارة الخزانة الأمريكية أن الجانبين اجتمعا لأكثر من 6 ساعات في مقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، ومن المخطط أن تُستأنف المحادثات صباح غداً الإثنين. والصين ليست عضواً في هذا المنتدى الذي يضم 38 دولة ديمقراطية معظمها ثرية، إذ تعتبر نفسها دولة نامية.
ولم يقدم المتحدث أي تفاصيل حول فحوى أو مضمون المحادثات، وغادر المسؤولون الصينيون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دون التحدث إلى الصحفيين.
وقال الممثل التجاري الأمريكي جيمسون جرير، الذي يشارك في المحادثات، قبل مغادرته إلى باريس إن المسؤولين الأمريكيين يريدون ضمان الاستقرار في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين.
وأضاف جرير الجمعة عبر شبكة (سي.إن.بي.سي) "نريد أن نتأكد من أننا سنستمر في الحصول على العناصر الأرضية النادرة التي نحتاجها لقاعدة التصنيع لدينا، وأنهم سيستمرون في شراء الأشياء التي ينبغي عليهم شراؤها منا، وأن الرئيسين سيحظيان بفرصة للقاء والتأكد من أن العلاقة تسير في الاتجاه الذي نريده".
وتأتي المحادثات استكمالاً لسلسلة من الاجتماعات التي عقدت في مدن أوروبية العام الماضي بهدف تخفيف التوتر الذي هدد بانهيار شبه كامل للتجارة بين أكبر اقتصادين في العالم.
ويقول محللون متخصصون في الشؤون التجارية بين الولايات المتحدة والصين إنه مع ضيق الوقت للتحضير وتركيز اهتمام واشنطن على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، فإن فرص تحقيق انفراجة تجارية كبيرة تظل محدودة، سواء في محادثات باريس أو في قمة بكين المرتقبة.
وقال سكوت كينيدي، خبير الاقتصاد الصيني في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن "أعتقد أن كلا الجانبين لديه هدف أدنى يتمثل في عقد اجتماع، وهو ما يسهم بشكل كبير في الحفاظ على تماسك الأمور وتجنب حدوث قطيعة أو تصعيد التوتر مجدداً".
وأضاف كينيدي أن ترامب ربما يرغب في العودة من بكين بتعهدات صينية كبيرة لشراء طائرات جديدة من طراز بوينغ، وشراء المزيد من الغاز الطبيعي المسال وفول الصويا الأمريكي، ولكن لتحقيق ذلك قد يحتاج إلى تقديم بعض التنازلات بشأن ضوابط التصدير الأمريكية.
ومن المحتمل أن يلتقي ترامب بـ"شي" ثلاث مرات أخرى هذا العام، بما في ذلك في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (آبيك) التي تستضيفها الصين في نوفمبر/تشرين الثاني وقمة مجموعة العشرين التي تستضيفها الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول، والتي ربما تسفر عن تقدم ملموس.
المخاوف المتعلقة بالنفط جراء حرب إيران
من المرجح أن تثار قضية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في محادثات باريس، خاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز، الذي تستورد الصين من خلاله 45% من احتياجاتها النفطية. وأعلن بيسنت الخميس عن إعفاء من العقوبات لمدة 30 يوماً للسماح ببيع النفط الروسي العالق في البحر على متن ناقلات، في خطوة تهدف إلى زيادة الإمدادات.
وحثّ ترامب السبت الدول الأخرى على المساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز، بعد أن قصفت واشنطن أهدافاً عسكرية في مركز تحميل النفط بجزيرة خارك الإيرانية، وهددت إيران بالرد.
وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) في تعليق نشرته الأحد إن إحراز تقدم "ملموس" في التعاون الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة يمكن أن يعيد الثقة إلى الاقتصاد العالمي الذي يزداد هشاشة.
مراجعة الهدنة التجارية
من المتوقع أن يراجع الجانبان التقدم المحرز في الوفاء بالتزاماتهما بموجب الهدنة التجارية التي أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بين ترامب وشي في بوسان بكوريا الجنوبية. وحالت هذه الاتفاقية دون تصعيد كبير في التوتر وخفضت الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات الصينية، وعلقت لمدة عام القيود الصارمة التي فرضتها الصين على صادرات المعادن الأرضية النادرة. وعلقت توسيع القائمة السوداء الأمريكية للشركات الصينية الممنوعة من شراء سلع أمريكية عالية التقنية، مثل معدات تصنيع أشباه الموصلات.
ووافقت الصين أيضا على شراء 12 مليون طن من فول الصويا الأمريكي خلال موسم التسويق 2025، و25 مليون طن في موسم 2026، الذي سيبدأ مع حصاد الخريف.
وقال مسؤولون أمريكيون، ومنهم بيسنت، إن الصين أوفت حتى الآن بالتزاماتها بموجب اتفاقية بوسان، مشيرين إلى أن مشتريات فول الصويا حققت الأهداف الأولية.
وبينما تتلقى بعض الصناعات صادرات من المعادن الأرضية النادرة من الصين، التي تهيمن على الإنتاج العالمي، فإن شركات الطيران والفضاء وأشباه الموصلات الأمريكية لا تحصل على هذه الصادرات، وتواجه نقصا متفاقما في المواد الأساسية، ومنها الإيتريوم، المستخدم في الطلاءات المقاومة للحرارة لمحركات الطائرات النفاثة.
وقال ويليام تشو، الباحث الكبير في معهد هدسون، وهو مركز أبحاث في واشنطن "من المرجح أن تتمحور أولويات الولايات المتحدة في محادثات باريس حول مشتريات الصين من المنتجات الزراعية وزيادة إمكانية حصولها على العناصر الأرضية النادرة الصينية على المدى القريب".
وقد أظهرت بيانات صدرت هذا الأسبوع انخفاض الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 11% في أول شهرين من العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، رغم ارتفاع إجمالي الصادرات بنسبة 22% تقريباً.
تحقيقات تجارية جديدة
أضاف جرير وبيسنت عقبة جديدة إلى مفاوضات باريس، وهي تحقيق بموجب المادة 301 بشأن ممارسات تجارية غير عادلة تستهدف الصين و15 شريكاً تجارياً رئيسياً آخر، بسبب مزاعم وجود فائض في الطاقة الإنتاجية الصناعية، ما قد يؤدي إلى جولة جديدة من الرسوم الجمركية في غضون أشهر.
وأطلق جرير أيضا تحقيقاً مماثلاً بشأن مزاعم ممارسات العمل القسري في 60 دولة، من بينها الصين، ما قد يؤدي إلى حظر استيراد بعض السلع إلى الولايات المتحدة.
وتهدف هذه التحقيقات إلى إعادة الضغط على الشركاء التجاريين بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها ترامب بموجب قانون الطوارئ، معتبرة إياها غير قانونية.
وخفض هذا الحكم فعليا الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على البضائع الصينية بواقع 20 نقطة مئوية، لكنه سرعان ما فرض رسوماً جمركية عالمية قدرها 10% بموجب قانون تجاري آخر.
ونددت الصين الجمعة بهذه التحقيقات، وأكدت احتفاظها بحقها في اتخاذ إجراءات مضادة.
وأضاف مقال افتتاحي لصحيفة "تشاينا ديلي" الحكومية أن هذه التحقيقات تمثل إجراءات أحادية الجانب تعقد المفاوضات.
وقالت "شينخوا"، "الجولة الجديدة من المحادثات فرصة واختبار في آن واحد".
وأضافت "يتوقف إحراز تقدم في المحادثات المقبلة إلى حد كبير على الجانب الأمريكي. ويتعين على واشنطن أن تتعامل مع المفاوضات بعقلانية وواقعية، وأن تتصرف بما يتماشى مع المبادئ التي تقوم عليها العلاقات الاقتصادية المستقرة بين الصين والولايات المتحدة".