محاكمة عاصفة لإمام أوغلو تدفع تركيا إلى حافة اضطراب سياسي
انطلقت الإثنين في تركيا محاكمة أكرم إمام أوغلو الزعيم المعارض الأبرز والأكثر قدرة على منافسة الرئيس التركي رجب أردوغان، وذلك في مسار قضائي لم تنجح السلطات التركية في إقناع الملاحظين داخل البلاد وخارجها باستقلاله على أهداف سياسية تتمثّل خصوصا في إزاحة عقبة من أمام إطالة فترة حكم أردوغان وحزبه والمقربين منه بما في ذلك نجله بلال أردوغان الذي تقول مصادر مطلّعة على الشأن التركي إنه يجري إعداده للقيام بدور سياسي من الطراز الأول في البلاد خلال الفترة المقبلة.
وتخشى دوائر تركية من أن تُدْخل تصفية المعارضة باستخدام أجهزة الدولة وخصوصا القضاء البلاد في مرحلة اضطراب سياسي خصوصا وأن الطرف المراد تصفيته هو حزب الشعب الجمهوري الذي يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وشارعا متحفّزا يمكنه تحريكه دفاعا عن نفسه ضدّ تشدّد السلطة.
ومثل أوغلو رئيس بلدية إسطنبول أمام المحكمة الاثنين في مستهل محاكمته بتهم فساد بعد عام على توقيفه، في قضية ترى فيها المعارضة محاولة لتقويض حظوظه في منافسة الرئيس رجب طيب اردوغان الذي قد يكون بصدد الإعداد للدفع بتعديل دستوري يتيح له الترشح مجدّد للانتخابات الرئاسية المقبلة.
وبدأت جلسة محاكمة الرجل الذي اعتُقل في 19 مارس 2025 أمام محكمة سيليفري الجزائية حوالي الحادية عشرة صباحا بتوقيت تركيا، إلا أن الجلسة عُلّقت بعد 15 دقيقة فقط إثر مشادة كلامية بين أوغلو والمحامين والقاضي، وفق صفحة تحمل عنوان "إسطنبول أمام المحاكمة" على منصة إكس، يديرها فريق رئيس البلدية.
ورفض القاضي طلب إمام أوغلو بالتحدث، وأجّل الجلسة إلى الساعة الواحدة والنصف بعدما أمر بإخلاء قاعة المحكمة.
وفي وقت سابق صباح الاثنين، علا التصفيق لدى دخول إمام أوغلو وعشرات المتهمين الآخرين إلى قاعة المحكمة المكتظة، وسط هتافات "نحن فخورون بك!".
وسُجن إمام أوغلو في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه مرشحا عن حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، للانتخابات الرئاسية المقبلة. ويُعتبر من بين السياسيين القلائل القادرين على هزيمة أردوغان في الانتخابات المقرر إجراؤها قبل منتصف عام 2028.
ووجهت النيابة العامة إلى الرجل البالغ 54 عاما، 142 تهمة قد تصل عقوبتها إلى السجن 2430 عاما. وتتهمه بإدارة شبكة إجرامية واسعة النطاق.
ومع حظر كل التظاهرات ضمن دائرة شعاعها كيلومتر واحد من المحكمة، تجمّع أعضاء حزب الشعب الجمهوري في مكان بعيد رافعين صور إمام أوغلو ورؤساء بلديات آخرين محتجزين، وفق ما أفاد مراسل وكالة فرانس برس.
منظمة العفو الدولية: هذه المحاكمة تشكل محاولة لترهيب المعارضين السياسيين وإسكات الأصوات المعارضة في البلاد وهي مثال على الاستغلال المقلق للنظام القضائي التركي الذي يكاد استقلاله أن يُدمر بالكامل
وهتف المتظاهرون "الرئيس إمام أوغلو"، و"سيأتي اليوم الذي تنقلب فيه الموازين ويُحاسب فيه حزب العدالة والتنمية"، في إشارة إلى حزب الرئيس أردوغان الحاكم.
وبدأت المحاكمة في محكمة سيليفري الواقعة على بُعد 80 كيلومترا غرب إسطنبول، والتي تشكل جزءا من مجمع السجون الذي يُحتجز فيه إمام أوغلو.
ويواجه إمام أوغلو الذي كان رئيسا لبلدية أكبر مدن تركيا حتى اعتقاله، تهما تتراوح بين الفساد والاختلاس والتجسس، إلى جانب أكثر من 400 متهم آخر.
وحضر رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل، وزوجة رئيس بلدية إسطنبول ديليك إمام أوغلو، جلسة المحكمة الاثنين.
وقالت ديليك إمام أوغلو للصحافيين "نشعر كلانا بالتوتر والترقب لجلسة الاستماع. زرته الأسبوع الماضي، ومعنوياته مرتفعة".
ونددت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية بما اعتبرتاه تلاعبا بالنظام القضائي التركي لإسكات المعارضين السياسيين.
وقالت نائبة مدير منظمة العفو الدولية لأوروبا دينوشيكا ديساناياكي في بيان إن هذه المحاكمة تشكل "محاولة لترهيب المعارضين السياسيين وإسكات الأصوات المعارضة في البلاد".
وأضافت "هذه المحاكمة الجماعية هي المثال الأبرز على الاستغلال المقلق للنظام القضائي التركي، الذي كاد استقلاله أن يُدمر بالكامل".
وقد حقق حزب الشعب الجمهوري فوزا في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس 2024 ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم، ويتعرّض مذاك لحملة قمع قضائية واسعة أفضت إلى سجن خمسة عشر من رؤساء البلديات المناصرين له.
وكان حزب الشعب الجمهوري يعتزم نصب خيام تضامنية أمام محكمة سيليفري، وهو ما حال دونه قرار حظر التجمعات قربها حتى نهاية مارس.
كما وحددت السلطات عدد الصحافيين المسموح لهم بحضور الجلسة بـ25، مع تخصيص خمسة مقاعد فقط لوسائل الإعلام الدولية، بحسب حزب الشعب الجمهوري.
ويرى المحللون أن خوض إمام أوغلو الانتخابات الرئاسية أمر مستبعد. وحتى في حال تبرئته من تهم الفساد، فإنه يواجه عقبة قانونية أكبر تتمثل في دعوى قضائية تطعن في صحة شهادته الجامعية، وهو شرط دستوري للمرشحين للرئاسة.
وإذا ما اعتُبر غير مؤهل، يتوقع المراقبون السياسيون أن يصبح زعيم حزب الشعب الجمهوري الحالي أوزغور أوزيل مرشح المعارضة للرئاسة.