وسط الحرب.. نبيه بري يسقط مظلة حزب الله السياسية في لبنان

وكالة أنباء حضرموت

في خضم التصعيد العسكري المتواصل بين إسرائيل وحزب الله شهدت الساحة اللبنانية تطورا سياسيا لافتا قد يعيد رسم موازين القوى داخل الطائفة الشيعية والنظام السياسي اللبناني ككل.

وبحسب مجلة "فورين بوليسي"، أيد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري قرارًا حكوميًا يقضي بحظر أسلحة الحزب، في خطوة بدت للبعض بمثابة تراجع غير مسبوق عن الغطاء السياسي الذي وفره لسنوات طويلة لأقوى تنظيم مسلح غير حكومي في البلاد.

تكمن أهمية هذا التحول في اعتماد حزب الله، رغم قوته العسكرية الكبيرة، تاريخيًا على نفوذه السياسي داخل مؤسسات الدولة اللبنانية لحماية ترسانته من الضغوط المحلية والدولية الرامية إلى نزع سلاحه.

وكان بري، الذي يشغل رئاسة البرلمان منذ أكثر من ثلاثة عقود، أحد أهم ركائز هذا الغطاء السياسي. ومع تغير موقفه، ولو جزئيًا، قد يجد الحزب نفسه أمام واقع سياسي أكثر تعقيدًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

تزامن هذا التطور مع تقارير تفيد ببدء القوات المسلحة اللبنانية حملة اعتقالات غير مسبوقة ضد عناصر من الحزب عقب قرار الحكومة حظر الأسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة.

ورغم أن هذه الخطوة لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تعكس تحولًا محتملاً في موازين القوى داخل الدولة اللبنانية، وقد تشجع خصوم الحزب السياسيين، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، على الدفع باتجاه تقليص نفوذه العسكري.

ولا يمكن فهم دلالات موقف بري دون العودة إلى خلفيته السياسية الطويلة. فالرجل، البالغ من العمر 88 عامًا، يعد أكبر مسؤول سياسي في لبنان من حيث العمر، وقد شغل منصب رئيس البرلمان منذ عام 1992.

ورغم صورته كممثل بارز للمؤسسة السياسية التقليدية، فإن مسيرته بدأت في صفوف حركة أمل، الحركة الشيعية التي لعبت دورًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، وسعت إلى تمكين الشيعة سياسيًا ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

العلاقة بين حركة أمل وحزب الله لم تكن يومًا مستقرة. ففي ثمانينيات القرن الماضي، اندلعت مواجهات مسلحة بين الطرفين للسيطرة على مناطق النفوذ الشيعية في بيروت والجنوب.

ورغم التفوق العسكري الذي حققه حزب الله آنذاك، تمكن بري من ترسيخ مكانته السياسية خلال فترة الوجود السوري في لبنان، مستفيدًا من دعم دمشق لحركته، وهو ما مهد الطريق لوصوله إلى رئاسة البرلمان وبناء شبكة نفوذ واسعة داخل الدولة.

لكن موازين القوى داخل الساحة الشيعية تغيرت تدريجيًا مع صعود حزب الله، مدعومًا بعلاقاته الوثيقة مع إيران، إضافة إلى التحولات في الموقف السوري بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة خلفًا لوالده حافظ الأسد.

ونجح الحزب في تعزيز نفوذه عبر شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية، فضلًا عن استثماره الرمزي والسياسي في انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وهو إنجاز شاركت فيه أيضًا حركة أمل وإن كان الحزب قد احتكر معظم رمزيته السياسية.

أمام هذا التحول، اختار بري نهجًا براغماتيًا. فبدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع صعود حزب الله، فضّل الحفاظ على موقعه داخل النظام السياسي اللبناني، معتمدًا على سلطته الواسعة كرئيس للبرلمان ليصبح ما يشبه "صانع الملوك" في الحياة السياسية.

ورغم أن هذا الدور بدا في ظاهره محايدًا، فإنه غالبًا ما استخدم سلطاته لتعطيل تشريعات أو عمليات انتخابية عندما كان ذلك يخدم مصالح الحزب، ما أدى إلى تشكيل كتلة سياسية شيعية موحدة داخل مؤسسات الدولة.

لهذا السبب تحديدًا يثير التحول الأخير في موقف بري تساؤلات عميقة حول دوافعه الحقيقية. فالرجل الذي يقترب من نهاية مسيرته السياسية قد يكون منشغلاً بتحديد إرثه السياسي، خصوصًا في ظل تصاعد الانتقادات داخل المجتمع الشيعي نفسه لدور حزب الله في إشعال جبهات عسكرية مكلفة.

ومع توسع العمليات الإسرائيلية وصدور أوامر بإخلاء مناطق واسعة يسكنها شيعة في بيروت والجنوب، بدأت تكهنات تتزايد حول تراجع شعبية الحزب داخل بيئته الاجتماعية.

ومع ذلك، يبقى موقف بري محاطًا بدرجة كبيرة من الغموض. فاستهداف إسرائيل مؤخرًا لعناصر من حركة أمل، سواء بسبب مشاركتهم المباشرة في القتال أو بسبب تحالف الحركة مع حزب الله، يضع بري أمام معادلة معقدة.

فالتصعيد العسكري قد يعيد توحيد الشارع الشيعي خلف الحزب إذا تصاعدت العمليات الإسرائيلية، وهو ما قد يدفعه إلى التراجع عن مواقفه الأخيرة.

كما لا يستبعد بعض المراقبين أن يكون موقف بري جزءًا من مناورة سياسية أو حتى خطوة منسقة مع الحزب نفسه، خاصة أن علاقتهما الطويلة جعلت منه لسنوات قناة الاتصال غير الرسمية بين حزب الله والدولة اللبنانية، وكذلك مع الدبلوماسيين الغربيين الذين كانوا يرونه بوابة لفهم المجتمع الشيعي والتواصل غير المباشر مع الحزب.

لكن إذا استمر بري في مسافة سياسية واضحة عن حزب الله، فإن ذلك قد يضع الحزب أمام تحدٍ غير مسبوق. فخسارة الغطاء السياسي الذي وفره رئيس البرلمان طوال عقود قد تتركه مكشوفًا داخل المؤسسات اللبنانية في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، خصوصًا مع تعهد الجيش اللبناني بفرض سيادة الدولة على السلاح.

في هذا السياق، يطرح التحول المحتمل تساؤلات أوسع حول مستقبل الطائفة الشيعية في لبنان. فالتاريخ السياسي اللبناني حافل بانهيار مفاجئ للنخب الطائفية عندما تتغير موازين القوى، كما حدث للنخب المسيحية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أو للقيادات السنية بعد سيطرة حزب الله على أجزاء من بيروت عام 2008.

وحتى اليوم، لم تنتج السياسة الشيعية بدائل حقيقية خارج ثنائية حركة أمل وحزب الله.

من هنا، قد يرى بري في اللحظة الراهنة فرصة أخيرة لإعادة تشكيل التوازن داخل السياسة الشيعية، وربما استعادة موقع متقدم لحركة أمل بعد سنوات من لعب دور ثانوي أمام هيمنة حزب الله.

غير أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها مسألة الخلافة داخل الحركة نفسها، التي تحولت على مدى العقود الماضية إلى تنظيم شديد الارتباط بشخصية بري ونفوذه.