الضربة الأمريكية المحتملة والارتدادات.. حسابات الرد الإيراني وسقف المواجهة

وكالة أنباء حضرموت

مع تصاعد الحشود العسكرية الأمريكية في مواقع استراتيجية تحيط بإيران، تتنامى المخاوف في الشرق الأوسط من انزلاق المنطقة إلى صراع عسكري واسع النطاق.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حذر القيادة الإيرانية من أن «الوقت ينفد»، ملوّحًا بضربات «أشد وطأة» من تلك التي استهدفت منشآت نووية إيرانية خلال صيف العام الماضي، في لهجة تعكس اقتراب الأزمة من نقطة حرجة، وفقا لمجلة نيوزويك.

في المقابل، أعلنت إيران أن قواتها «في حالة جاهزية كاملة»، محذّرة من أن أي هجوم أمريكي قد يشعل حربًا ذات عواقب لا يمكن احتواؤها.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية حميد رضا عزيزي، من مركز الدراسات السياسية والاجتماعية في برلين، أن النظام الإيراني يتعامل مع الوضع الراهن على أساس أن اندلاع الحرب «قد يحدث في أي لحظة»، ما يفسر حالة الاستنفار السياسي والعسكري داخل طهران.

خيارات واشنطن
تجسدت هذه الأجواء التصادمية بدخول حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس إبراهام لينكولن» المحيط الهندي، في خطوة تجاوزت نطاق المناورات الروتينية، ووضعت قوة نيران أمريكية كبيرة على مسافة قريبة من إيران، مع قدرة متزامنة على حماية الحلفاء الإقليميين من أي رد محتمل.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن إدارة ترامب تدرس تنفيذ ضربات دقيقة ومحدودة، قد تستهدف أصولًا عسكرية للحرس الثوري الإيراني أو مؤسسات وقيادات تُحمّلها واشنطن مسؤولية حملة القمع التي شنتها السلطات الإيرانية ضد الاحتجاجات الداخلية مؤخرًا.

ويرى محللون أن أي عمل عسكري أمريكي، حال وقوعه، سيُصمم ليحمل طابعًا «جراحيًا»، بهدف توجيه رسالة ردع قوية دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وإن كان هذا التوازن الدقيق محفوفًا بمخاطر التصعيد غير المحسوب.

يثير احتمال توجيه ضربات أمريكية تساؤلات واسعة بشأن تأثيرها على حركة الاحتجاج داخل إيران، التي تطالب بتغيير سياسي في ظل أوضاع اقتصادية خانقة.

فبينما يرى بعض المراقبين، أن ضربة محدودة قد تشجع المحتجين، يحذر مسؤولون ومحللون عرب وغربيون من أن التدخل العسكري الخارجي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر توحيد الشارع خلف النظام ومنحه ذريعة لتصعيد القمع.

وبحسب منظمات حقوقية، قُتل نحو 6000 متظاهر خلال موجة القمع التي شهدتها البلاد مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، في حين تعترف السلطات الإيرانية بمقتل نحو 3100 شخص.

ويرى علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن أي هجوم أمريكي قد يدفع النظام إلى مزيد من العنف، محذرًا من أن «النظام الذي واجه شعبه بالقمع قد يصبح أكثر عدوانية تحت وطأة تهديد عسكري أجنبي»، وأن حتى ضربة محدودة قد تبرر ردًا إيرانيًا غير متناسب يقود إلى مواجهة إقليمية شاملة.

تعقيدات القيادة واحتمالات التغيير
يأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه إيران حالة من الغموض السياسي على مستوى القيادة، بعد أن أدت الضربات الإسرائيلية في يونيو/حزيران الماضي إلى تصفية عدد كبير من كبار القادة، وتراجع الدور اليومي للمرشد علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا.

ووفقًا لتقارير نقلتها وكالة «رويترز»، انتقل النفوذ الفعلي إلى شخصيات مقربة من الحرس الثوري، ما أثار مخاوف دبلوماسيين إقليميين من أن يستغل الحرس غياب خليفة واضح لتشديد قبضته على السلطة وتصعيد المواجهة مع الغرب.

ويرى بهنام بن طالبلو، المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن أي تصعيد عسكري إضافي «سيؤدي على الأرجح إلى تصلب النظام بدل تفككه»، مؤكدًا أن مسألة الخلافة تمثل عامل عدم استقرار إضافي يقلل فرص التغيير الداخلي السلمي في المدى القريب.

دبلوماسية على حافة الهاوية
وفي موازاة التصعيد العسكري، لا تُستبعد فرضية أن تكون سياسة حافة الهاوية التي ينتهجها ترامب محاولة للضغط على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات.

غير أن الخلاف الجوهري لا يزال قائمًا حول نطاق هذه المفاوضات؛ إذ تصر إيران على حصرها في الملف النووي، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى توسيعها لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لطهران.

ويؤكد حميد رضا عزيزي أن المسؤولين الإيرانيين يأخذون احتمال الحرب على محمل الجد، لكنهم يحاولون في الوقت نفسه كسب الوقت وإظهار انفتاح محسوب على الحوار، لتفادي تحميلهم مسؤولية أي مواجهة.

اضطراب حاد متوقع
أما مات جيرتكن، كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين في شركة «بي سي إيه للأبحاث»، فيرى أن واشنطن ستتجنب استهداف ركائز النظام ما لم تضمن قدرتها على تحييد الرد الإيراني بالكامل، نظرًا إلى ما قد يسببه ذلك من اضطراب حاد في أسواق الطاقة والملاحة العالمية.

ويخلص جيرتكن إلى أن الطرفين، رغم تجنبهما حتى الآن للمواجهة المباشرة، يواصلان الاستعداد لها على مختلف المستويات، في واحدة من أكثر الأزمات الإقليمية تعقيدًا وخطورة، حيث قد تتحول أي شرارة صغيرة إلى صراع واسع تتجاوز تداعياته حدود المنطقة.