ما هو الحل لإيران؟ صراع الاستراتيجيات من “ثورة الدستور” إلى “انتفاضة يناير 2026”

وكالة أنباء حضرموت

على مدار 120 عاماً، ظل السؤال “ما هو الحل لإيران؟” يتردد في كل منعطف تاريخي. تناقش هذه المقالة الجذور العلمية والسياسية لهذا السؤال، مستعرضة فشل استراتيجيات “الإصلاح” و”اللاعنف” في مواجهة الأنظمة الشمولية (نظام الشاه ونظام الملالي). وتخلص المقالة إلى أن “انتفاضة يناير 2026” تمثل لحظة الحقيقة التاريخية، حيث أدرك الشارع الإيراني أن الخلاص من الديكتاتورية المطلقة لا يمر عبر صناديق الاقتراع أو النضال المدني المجرد، بل عبر “استراتيجية القوة” و”المقاومة المنظمة” ودفع ثمن الحرية.

كم مرة طُرح هذا السؤال في المنعطفات والفصول السياسية والاجتماعية المختلفة لإيران منذ ما لا يقل عن 120 عاماً؟

من أين يجب استخلاص “حل المعضلة الإيرانية” وكيف يمكن تقديمه؟ وما هو العامل الذي يحدد الفرق الجوهري بين الحلول المطروحة؟

إن من سعى لتحرير إيران من سلسلة الديكتاتوريات المتعاقبة خلال القرن العشرين ونيف، سيصل في إجابته عن هذه الأسئلة – بشكل منهجي وعلمي – إلى أهمية وضرورة ودور “الاستراتيجية”.
تعريف الاستراتيجية وعلاقتها بالمصالح الوطنية
الاستراتيجية مصطلح عسكري يعني تقييم وضع الذات والخصم، ووضع خطة لمواجهة الخصم في أنسب الظروف. وفي السياسة، تعني تعبئة كافة الإمكانات وتغيير الظروف باتجاه مناسب لتحقيق هدف أساسي. إذن، الاستراتيجية تعادل “المنهج العام للوصول إلى هدف كلي”.

في بحثنا هذا، نسعى لمعرفة الاستراتيجية المناسبة للرد السياسي والاجتماعي على المشكلة الرئيسية في إيران، والتي نسميها “التناقض الرئيسي”. وهذا التناقض هو العقبة الأبرز أمام تأمين المصالح الوطنية.

إذا اتخذنا الـ 120 عاماً الماضية أساساً لهذا البحث، نجد أن العقبة الكأداء أمام تقدم إيران كانت دائماً “سلسلة الديكتاتوريات”. وبما أن السياسة تهيمن دائماً على العوامل الاقتصادية والاجتماعية، فإن الاستراتيجية تتحدد بناءً على “نوع الحكم السياسي”.

في مواجهة نظام ديمقراطي وعلماني، تكون الاستراتيجية برلمانية أو نقابية.
أما في مواجهة نظام شمولي، استبدادي، وفردي، فإن الاستراتيجية تختلف جذرياً.
ثلاثة مسارات تاريخية: دروس من 120 عاماً
كان تاريخ إيران المعاصر حقل تجارب لثلاث استراتيجيات: البرلمانية، المدنية-السلمية (اللاعنف)، والقهرية (الثورية).

على سبيل المثال، خلال “ثورة الدستور” (المشروطة)، وصل المسار السلمي إلى طريق مسدود، فتحول إلى مسار ثوري. لكن عندما تداخل تيار “المشروعة” (التيار الديني الرجعي) مع مصالح السلطة، ضُربت الحركة الدستورية، وكانت النتيجة هيمنة الديكتاتورية السابقة (رضا خان).

وفي وقت لاحق، جاءت “حركة الغابة” بقيادة ميرزا كوتشك خان كاستراتيجية مسلحة لإنقاذ إيران، لكنها ضُربت من الداخل عبر تغيير الاستراتيجية والتشتت، مما أدى إلى هزيمة الحركة واستمرار الديكتاتورية.

علاقة نوع الحكم باختيار الاستراتيجية
1. وهم المسار البرلماني: النضال عبر الاستراتيجية البرلمانية لا يصل إلى نتيجة أبداً في ظل وجود “مستبد مطلق” في السلطة. في هكذا هيكلية، يعد توقع التغيير أو الانصياع للدستور وهماً محضاً يؤدي فقط إلى استنزاف الطاقات وإحداث انشقاقات في صفوف الحركة.

2. مأزق “اللاعنف”: النضال عبر استراتيجية “نبذ العنف” يبدو مثالياً، لكن بشرط واحد: القدرة على إنزال ثلث سكان البلاد إلى الشوارع والاستمرار لإجبار النظام الشمولي على الرضوخ. في الـ 47 عاماً الماضية (تحت حكم الملالي)، لم تحقق هذه الاستراتيجية أي نتيجة، بل جعلت النظام أكثر وقاحة في طغيانه، وزرعت الشك والانفعال في صفوف الحركة. السبب بسيط: هذه الاستراتيجية لم تُتخذ بما يتناسب مع الطبيعة الوحشية للنظام.

أربعة عقود من اختبار الفشل
جرب الشعب الإيراني خلال العقود الأربعة الماضية كافة الحلول: المشاركة في الانتخابات، المظاهرات السلمية، وحتى المراهنة على ما يسمى “الإصلاحيين”.

النتيجة كانت: المزيد من القمع، الفقر، والإهمال. حتى بعد الهجوم الخارجي في “حرب الـ 12 يوماً” في يونيو 2025 ، مُنح النظام فرصة للتغيير، لكنه – وبحكم طبيعته الشمولية غير القابلة للإصلاح – وسّع نطاق القمع والإفقار.
انتفاضة يناير 2026: الوصول إلى “الاستراتيجية النهائية”
يجب اعتبار انتفاضة يناير 2026 نتاجاً لصراع الاستراتيجيات على مدار 47 عاماً. لقد انبثقت هذه الانتفاضة من الغضب المتراكم بسبب عقم الاستراتيجيات التي كانت تمنح الفرص للديكتاتور.

لقد وصل الشارع إلى “الحل الجذري” (القوة).

خطت الانتفاضة نحو مرحلة أكثر تكاملاً وتعقيداً.
وصلت إلى مرحلة “رعب النظام” من إدراك المجتمع للحل النهائي.
وصلت إلى مرحلة ضرورة “التنظيم” لاستمرار المعركة.
وصلت إلى مرحلة الإعداد الدقيق لأسباب إسقاط الديكتاتور.
إن المشهد الحالي في إيران، والذي دخل مرحلة بالغة التعقيد، لا يزال ساحة لمعركة الاستراتيجيات. لكن جودة تقدم أي استراتيجية ستحددها، بالإضافة إلى وعي أصحابها، “جودة دفع الثمن” المطلوب للحرية.