هند العمودي

صوت الجنوب الغاضب: هل وصل إلى طاولة رئيس الوزراء؟

شاهدتُ اللقاء الذي جمع عددًا من الصحفيين والإعلاميين مع رئيس الوزراء، وبعد متابعتي للتقارير المنشورة عن ذلك اللقاء، وجدتُ نفسي أمام جملةٍ من التساؤلات التي لا يمكن تجاوزها؛ ليس بدافع الخصومة، بل انطلاقًا من حقٍّ مشروع في المساءلة، ومن واجبٍ وطني يفرضه حجم المعاناة التي يعيشها الناس على أرض الواقع... 
أولًا، من حقّ أي صحفي أن يحضر أي لقاء رسمي، فهذا جزء من صميم عمله ودوره المهني. لكن ما دام الحضور قد تم، فإن من حق الجمهور — بل من حق التاريخ — أن يعرف: هل نُقلت الحقيقة كاملة؟ وهل طُرحت الأسئلة التي تعكس نبض الشارع، لا مجاملات البروتوكول؟
هل سألتم رئيس الوزراء بصراحة عمّا يريده قطاع واسع من الشعب الجنوبي الذي يعبّر جهارًا عن رفضه للواقع القائم، ويطالب برحيل السلطة التي يعتبرها عاجزة عن إدارة شؤونه أو الاستجابة لتطلعاته؟
هل أوصلتم له صوت الناس الذين يتساءلون عن مصير الوفد المقيم في الرياض؟ وما طبيعة الدور الذي يقوم به؟ وهل ما يُسمّى بالحوار الجنوبي مشروع سياسي حقيقي، أم مجرد مشهد ضمن مسرحية مؤجلة النتائج؟
لكن المسألة اليوم أعمق من مجرد أسئلة خدمية أو سياسية آنية. نحن أمام حكومة وُلدت — كما يرى كثيرون — في سياق حسابات خارج الحدود، لا في سياق توافق وطني حقيقي حكومة تتحدث عن الشراكة، لكنها أفرغت مفهومها من مضمونه، وتدير خطابًا إعلاميًا يحاول إعادة تعريف الواقع بدلًا من تغييره.. 
إن ما نعيشه اليوم يمكن وصفه — دون مبالغة — بمعركة بين “اللا وعي” الرسمي ووعيٍ جمعي جنوبي تبلور عبر عقود من التجربة والمعاناة حكومة تحاول أن تقنع الناس بأن الأزمات المتراكمة — من كهرباء منهارة، ومياه ملوثة، وصرف صحي يفيض في الشوارع، وانهيار للعملة، وغياب الرواتب — ليست سوى نتاج عوامل خارجة عن إرادتها، بينما الناس تسأل سؤالًا بسيطًا: إذا لم تكن هذه مسؤوليتكم، فمسؤولية من إذًا؟
في قاعات اللقاءات الرمضانية، يُقال إن “الوعي” هو الطريق لإقناع الناس بالصبر. لكن أي وعي يُراد له أن يقبل بانقطاع الكهرباء لساعات طويلة في حرّ عدن؟ أي وعي يقبل أن تتحول المطالبة بشفط مياه الصرف الصحي إلى تهمة شعبوية؟ الوعي الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالفشل، لا بتسويقه بوصفه إنجازًا مؤجلًا
هل تطرّقتم إلى ملف المعتقلين السلميين الذين جرى اعتقالهم أثناء تنفيذ وقفة سلمية؟ هل طُرحت قضية الحريات العامة باعتبارها معيارًا أساسيًا لشرعية أي سلطة؟ أم أن هذا الملف ظلّ مؤجّلًا تحت ذريعة “الظروف الاستثنائية”؟
وهل سألتم عن الشهيد الأستاذ الشبحي، الذي سقط برصاصٍ غادر خلال تلك الوقفة؟ وعن الطفل الجريح الذي كان أصغر ضحايا تلك الأحداث؟ لأن العدالة لا تتجزأ، والدم لا يُمحى بالتصريحات، والوعود لا تُسكت الألم.
ثم ماذا عن الحديث المتكرر حول الرواتب والخدمات؟ أليست هذه حقوقًا أصيلة وليست مِنحًا تُمنّ بها الحكومات على شعوبها؟ الراتب ليس هدية، والكهرباء ليست تفضّلًا، والماء ليس مشروعًا موسميًا هذه التزامات دستورية وأخلاقية قبل أن تكون وعودًا إعلامية. وأي سلطة تعجز عن الإيفاء بالحد الأدنى من هذه الالتزامات، عليها أن تواجه الحقيقة بشجاعة، لا أن تختبئ خلف إدارة سردية إعلامية..


وفي الختام، كان من المهم — إن كنتم قد فعلتم — أن تُبلّغوا رسالة واضحة لا لبس فيها: أن هناك صوتًا جنوبيًا يطالبكم بالرحيل، ويريد إعادة صياغة مستقبله بعيدًا عن الوصاية والإدارة الفاشلة.
فالتاريخ لا يرحم الصامتين، ولا يبرّئ من تجاهل صوت الناس، ولا يمنح الشرعية لمن يكتفي بإدارة الخطاب بدل إدارة الدولة.
هذا تعليقٌ بعد ما شاهدتُ وسمعتُ.
أما الحقيقة الكاملة، فهي دائمًا في الميدان… لا في قاعات اللقاءات.