عويس القلنسي

بين الإصلاح السياسي والتحول الحضاري: قراءة في تجربة محمد بن زايد وسياقات النهضة الأوروبية

وكالة أنباء حضرموت

حين تتأمل الأمم مسارات نهوضها، تجد أن التحول الحقيقي لا يبدأ بالشعارات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والفكرة، وبين الدين والسياسة. وفي العالم العربي، يبرز اسم محمد بن زايد آل نهيان بوصفه أحد القادة الذين تبنّوا رؤية تقوم على بناء دولة مؤسسات حديثة، وتعزيز مفهوم الدولة المدنية القائمة على القانون، مع طرح خطاب يؤكد أن الدين ينبغي أن يبقى مصدرًا للقيم الروحية والأخلاقية، لا أداة في صراعات السلطة.
هذا الطرح يفتح بابًا واسعًا للمقارنة مع تجارب أوروبية سابقة شهدت تحولات عميقة بعد إعادة تنظيم العلاقة بين الكنيسة والدولة، وصولًا إلى عصر التنوير والنهضة الصناعية.ِ

أولًا: ملامح الرؤية الإصلاحية في التجربة الإماراتية:

عند دراسة سياسات محمد بن زايد، يمكن رصد عدة محاور إصلاحية واضحة:
1. ترسيخ مفهوم الدولة المدنية والمؤسسات:
ركزت الرؤية الإماراتية على بناء مؤسسات قوية تتجاوز الولاءات الأيديولوجية، وتُدار وفق معايير الكفاءة والتخطيط الاستراتيجي.
ظهر ذلك في:
ـ تطوير منظومة تعليم حديثة تستثمر في العلوم والتقنية والذكاء الاصطناعي.
ـ دعم برامج الفضاء مثل “مسبار الأمل” الذي مثّل نقلة علمية رمزية نحو اقتصاد المعرفة.
ـ تعزيز دور المرأة في مواقع القرار، بما يعكس رؤية اجتماعية أكثر انفتاحًا.
2. خطاب ديني يقوم على التسامح:
بدل توظيف الدين في السياسة الحزبية، دعمت الإمارات مؤسسات تُعنى بنشر ثقافة الاعتدال، واستضافت لقاءات للحوار بين الأديان، ووقّعت “وثيقة الأخوة الإنسانية” بالشراكة مع الفاتيكان، في خطوة عكست توجهًا نحو إعلاء قيم التعايش.
3. حماية المجال الديني من التسييس:
الفكرة الجوهرية في هذا المسار ليست إقصاء الدين، بل تحييده عن التجاذبات الحزبية، بحيث يبقى مصدرًا أخلاقيًا عامًا، بينما تُدار الدولة بعقلية قانونية ومؤسساتية.

ثانيًا: الإصلاح الأوروبي… من هيمنة الكنيسة إلى الدولة الحديثة:

لإدراك أبعاد المقارنة، لا بد من العودة إلى أوروبا في القرون الوسطى، حيث كانت الكنيسة تمارس نفوذًا واسعًا على السياسة والعلم. التحول لم يكن لحظة واحدة، بل سلسلة إصلاحات فكرية وعلمية وسياسية، قادها مفكرون ومصلحون.

1. مارتن لوثر والإصلاح الديني:

قاد مارتن لوثر حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، معترضًا على سلطة الكنيسة المطلقة. أسهمت حركته في تقليص الهيمنة الدينية على القرار السياسي، وفتحت الباب أمام تعددية فكرية.
2. فلاسفة التنوير:
ـ جون لوك: دعا إلى فكرة العقد الاجتماعي وحقوق الفرد.
ـ  مونتسكيو: طرح مبدأ فصل السلطات.
ـ  فولتير: دافع عن حرية التعبير والتسامح الديني.
هذه الأفكار مهّدت لقيام الدولة الدستورية الحديثة، حيث أصبحت السلطة مقيدة بالقانون لا بمرجعية كنسية.

3. الثورة الصناعية:

مع تحرر البحث العلمي من القيود اللاهوتية، انطلقت أوروبا نحو التصنيع والاختراع، فظهرت المصانع، وتوسعت الجامعات، ونشأت طبقة وسطى متعلمة.
لم يكن التقدم نتيجة إبعاد الدين بحد ذاته، بل نتيجة إعادة تعريف دوره، بحيث لا يتدخل في إدارة الدولة والاقتصاد والعلم.

ثالثًا: أوجه الشبه والاختلاف:

التشابه يكمن في فكرة إعادة تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة لصالح بناء دولة مؤسسات حديثة.
أما الاختلاف، فيكمن في السياق؛ فالمجتمعات العربية ليست نسخة من أوروبا القرون الوسطى، ودينها لم يعرف مؤسسة كنسية مركزية بالمعنى الأوروبي. لذلك فإن أي إصلاح يجب أن ينطلق من خصوصيتنا الثقافية، لا من استنساخ التجربة الغربية حرفيًا.

رابعًا: الإصلاح بين الرؤية والتحديات:

أي مشروع إصلاحي يواجه مقاومة، سواء من تيارات أيديولوجية ترى في التغيير تهديدًا لهويتها، أو من قوى اعتادت الاستفادة من خلط الدين بالسياسة.
لكن التاريخ يعلّمنا أن المجتمعات التي تستثمر في التعليم، والعلم، والاقتصاد المنتج، وتبني مؤسسات قانونية قوية، هي التي تصنع الاستقرار والازدهار على المدى الطويل.

خاتمة: بين الحلم والواقع:

إن الحديث عن الإصلاح لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين “مع” و“ضد”، بل إلى نقاش عقلاني حول أفضل السبل لبناء دولة عادلة تحترم الدين وتمنع توظيفه في النزاعات السياسية.
التجربة الأوروبية تثبت أن التقدم يحتاج إلى تحرير العقل، وبناء المؤسسات، وإعلاء قيمة القانون.
والتجارب المعاصرة في منطقتنا، ومنها رؤية محمد بن زايد، تشير إلى أن هناك محاولات لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والدين بما يضمن الاستقرار والتنمية.
يبقى السؤال الأكبر:
هل نستطيع في العالم العربي أن ننتج نموذجنا الخاص، الذي يجمع بين أصالة القيم وروح العصر، ويحوّل الإيمان إلى قوة بناء، لا إلى أداة صراع؟
ذلك هو التحدي الحقيقي… وذلك هو أفق النهضة الممكنة.

مقالات الكاتب