الإمارات .. الاتزان في زمن الاضطراب
د. علي النعيمي
عند مقاربة دولة الإمارات العربية المتحدة في موازين السياسة الدولية، لا نتحدث عن طرفٍ يسعى إلى تثبيت...
عند مقاربة دولة الإمارات العربية المتحدة في موازين السياسة الدولية، لا نتحدث عن طرفٍ يسعى إلى تثبيت موقعه في المشهد، بل عن تجربة أصبحت جزءاً من معيار القياس ذاته. نحن أمام دولة اختارت الاتزان نهجاً في عالمٍ تتقدّم فيه الفوضى على العقل، وتبنّت الوضوح خياراً في زمن اختلطت فيه الحدود بين الموقف والادعاء. لم تُبنِ الإمارات حضورها على خطابٍ متقلب، ولا على ضجيج سياسي مؤقت، بل على اتساقٍ صارم بين ما يُقال وما يُمارس، وعلى منجزٍ قابل للاختبار لا على سردية قابلة للتأويل.
الأخطر في الحملات السياسية المعاصرة ليس حدّتها، بل ادعاؤها الأخلاقي حين يُستخدم غطاءً للتضليل. فالخطاب الذي يطالب بالاحترام لا يملك شرعية العبث بالحقيقة، ومن يتحدث باسم القيم لا يستطيع اتخاذ التشويه وسيلة. الأخلاق في السياسة ليست شعاراً يُرفع، بل سلوكاً يمكن التحقق منه، لغةً وممارسةً ومسؤوليةً.
وحين يتحول الخطاب الأخلاقي إلى أداة صراع، يفقد وظيفته كقيمة جامعة، ويتحوّل إلى أداة استهلاك سياسي. في هذه الحالة، لا يكون المستهدف هو الخاسر الأول، بل المصداقية نفسها. فالدولة التي تحتاج إلى تشويه غيرها كي تُثبت سلامة موقفها، تُقرّ ضمناً بأن هذا الموقف لا يصمد بذاته، وأنه يحتاج إلى خصم مُدان كي يبدو متماسكاً.
في هذا السياق، تتعرض الإمارات لحملات إساءة وفبركة ممنهجة، لا تقوم على نقاشٍ مسؤول، بل على تكرار منظم للأكذوبة بهدف تحويلها إلى حقيقة متداولة. الهدف واضح: كسر الثقة، وضرب صورة نموذج اختار أن يعمل بهدوء، وأن يراكم بالإنجاز لا بالاستعراض.
إن الإمارات لم تكن يوماً طرفاً في سباق الشعارات، ولم تتعامل مع القضايا الإقليمية بعقلية الاستعراض السياسي. سياساتها تُقاس بما حققته من استقرار، وبما اضطلعت به من أدوار تهدئة وتوازن، لا بما يُكتب عنها في منصات مأجورة أو حملات ظرفية. في مثل هذا المشهد، يصبح الترفّع السيادي موقفاً، ويغدو العمل الملموس هو الرد الذي لا يحتاج إلى تفسير. فكثير من هذه الادعاءات تسقط عند أول اختبار جدي، بمجرد مقارنة الضجيج بالوقائع، والنوايا المعلنة بالنتائج المحققة.
القيادة الرشيدة في الإمارات ليست تفصيلاً في معادلة الاستقرار، بل هي ركيزتها الأساسية. والالتفاف الشعبي حولها ليس ظاهرة عاطفية، بل تعبير عن وعيٍ وطني تجاوز العلاقة التقليدية بين الحاكم والمحكوم إلى تلاحمٍ بنيوي. في التجربة الإماراتية، الوطن ليس مساحة جغرافية فقط، بل منظومة قيم يحميها وعي المجتمع. واستهداف الرموز الوطنية لا يندرج في إطار الاختلاف السياسي، بل هو محاولة لضرب الثقة، وهي أصل الاستقرار. من هنا، فإن هيبة القيادة جزء لا يتجزأ من هيبة الوطن، والبيت المتوحد ليس شعاراً للمناسبات، بل حصناً يتماسك كلما اشتد الاختبار.
إن استهداف النموذج الإماراتي لا يعكس نقداً لسياسة بعينها، بل يكشف فجوة استراتيجية وعجزاً عن منافسة نموذج أثبت أن التنمية ممكنة ومستدامة. في محيطٍ لجأت فيه بعض الأطراف إلى تبرير الإخفاق بالواقع، اختارت الإمارات مساراً مختلفاً. لم تتخذ من التحديات ذريعة للتراجع، بل معياراً للجدية ومنطلقاً لتسريع الإنجاز. وحين يعجز البعض عن مضاهاة الدولة في بناء المؤسسات، يظهر الخيار الأسهل: إحلال التشويش الإعلامي محل التنافس التنموي. الهجوم على المنجز اعتراف بضيق الخيارات، فالدول الواثقة تعرف أن السيادة الذهنية تُبنى بالكفاءة، لا بالتشكيك.
في المحصلة، الرد على الإساءة لا يكون بتبادل الاتهامات، بل بالثبات على النهج. الإمارات لا تحتاج إلى تلميع صورتها، فصورتها صُنعت بالفعل اليومي، وبقدرتها على الجمع لا التفريق. ستبقى الإمارات معادلة صعبة: اتحادٌ صار طبيعة، وقيادةٌ صارت بوصلة، ومجتمعٌ صار مناعة.
الزمن وحده يملك القدرة على الفرز، وله ذاكرة أطول من أي خطاب. أما الأفعال، فهي التي تحسم المسارات، والإمارات ماضية في طريقها، مدركة أن البناء يبقى، وأن الضجيج يزول.