بين العدالة الانتقالية والعدالة الانتقامية: كيف يمكن لسورية أن تحاسب الشبيحة دون أن تسقط في فخ الثأر؟
الباحثة كنانة خلف الكردي
تواجه سورية في مرحلتها الراهنة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية، وهي قضية التعامل مع إرث الانته...
تواجه سورية في مرحلتها الراهنة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية، وهي قضية التعامل مع إرث الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت خلال سنوات الصراع، وما يرتبط بها من مطلب شعبي وثوري متصاعد بمحاسبة الشبيحة والمتورطين في القتل والتعذيب والانتهاكات الجسيمة بحق السوريين.
غير أن هذا الاستحقاق التاريخي يضع الدولة والمجتمع أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحقيق العدالة للضحايا وذوي الشهداء، من دون الانزلاق إلى دائرة الانتقام أو فتح أبواب صراعات جديدة؟
أولاً: العدالة الانتقالية ليست نقيضاً للمحاسبة
ثمة خلط متعمد أو ناتج عن سوء فهم بين مفهوم العدالة الانتقالية وبين فكرة التسامح مع المجرمين أو تجاوز الجرائم باسم المصالحة الوطنية. والحقيقة أن العدالة الانتقالية لا تعني النسيان، ولا تعني العفو المجاني، بل تقوم أساساً على مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
فالضحايا الذين فقدوا أبناءهم، والمعتقلون الذين تعرضوا للتعذيب، والمجتمعات التي دفعت أثماناً باهظة، لا يمكن مطالبتهم بتجاوز الماضي من دون إحقاق الحق ومحاسبة المسؤولين عنه.
إن المصالحة التي تُبنى على تجاهل المظالم ليست مصالحة، بل هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
ثانياً: خطر الانتقال من الظلم إلى الانتقام
في المقابل، فإن تحويل العدالة إلى ثأر جماعي يحمل مخاطر لا تقل خطورة عن الجرائم الأصلية.
فالعدالة الانتقامية لا تميز بين المجرم وغير المجرم، ولا بين المسؤول المباشر وغير المسؤول، بل تقوم على التعميم والعقوبات الجماعية، وهو ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الكراهية وخلق مظلوميات جديدة.
إن الدول لا تُبنى بمنطق الغلبة والثأر، بل بمنطق القانون، لأن الانتقام قد يحقق إشباعاً آنياً للمشاعر، لكنه لا يؤسس لاستقرار دائم.
ثالثاً: الإشكالية السورية بين الإفلات من العقاب وتبييض الماضي
تتمثل الأزمة الحقيقية في سورية اليوم في وجود شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من الشارع الثوري وذوي الشهداء بأن عملية المحاسبة تسير ببطء، أو أنها لا ترتقي إلى مستوى حجم الجرائم المرتكبة، في الوقت الذي يلاحظ فيه استمرار حضور بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق داخل مؤسسات الدولة أو الحياة العامة.
هذا الواقع يخلق حالة من الاحتقان، ويؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويعزز المخاوف من أن تتحول المصالحة إلى غطاء لتعويم المتورطين بالجرائم أو تبييض صفحاتهم السياسية والأخلاقية.
فالسلام القائم على إنكار الألم ليس سلاماً حقيقياً، والاستقرار القائم على تجاهل مطالب الضحايا يبقى استقراراً هشاً.
رابعاً: الشبيحة ليسوا كتلة واحدة
من الأخطاء الخطيرة النظر إلى جميع من ارتبطوا بالنظام السابق باعتبارهم فئة واحدة.
فالعدالة الحقيقية تقتضي التمييز بين:
* من تورطوا مباشرة في القتل والتعذيب والانتهاكات الجسيمة.
* من أصدروا الأوامر وخططوا للجرائم.
* من استفادوا من منظومة الفساد دون مشاركة مباشرة في الجرائم.
* من كانوا موظفين أو أفراداً خضعوا لظروف معينة دون ارتكاب انتهاكات.
فالمسؤولية فردية وليست جماعية، والقصاص يجب أن يطال المجرمين لا الجماعات أو البيئات الاجتماعية بأكملها.
خامساً: ما الحل؟
إن تجنب الصدام بين العدالة الانتقالية ومطالب الشارع الثوري يقتضي اعتماد مسار متوازن يقوم على:
1- إنشاء هيئة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية
تتولى توثيق الجرائم وكشف الحقائق وإحالة الملفات إلى القضاء المختص.
2- تفعيل القضاء المختص بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة
بما يضمن محاكمات عادلة وعلنية، تحقق الردع وتعيد الثقة بمؤسسات الدولة.
3- منع الإفلات من العقاب
من خلال عدم السماح لأي نفوذ سياسي أو مالي بحماية المتورطين بالجرائم.
4- التمييز بين المسؤوليات
بحيث تكون المحاسبة فردية ومبنية على الأدلة، لا على الانتماءات الطائفية أو المناطقية أو السياسية.
5- إنصاف الضحايا وذوي الشهداء
عبر برامج التعويض وجبر الضرر والاعتراف الرسمي بمعاناتهم، لأن الكرامة المعنوية جزء من العدالة.
6- إصلاح المؤسسات الأمنية والإدارية
لضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
خاتمة
إن سورية لا تحتاج إلى عدالة انتقامية تعيد إنتاج المأساة، كما أنها لا تحتمل عدالة شكلية تنتهي إلى تعويم الجناة وتجاهل تضحيات الضحايا.
فالخيار الواقعي والأخلاقي يكمن في عدالة انتقالية حقيقية، تكون حازمة في محاسبة مرتكبي الجرائم، وعادلة في إجراءاتها، وقادرة على تحقيق التوازن بين حق الضحايا في القصاص القانوني وبين حاجة الدولة إلى السلم الأهلي والاستقرار.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سورية ليس المطالبة بالعدالة، بل أن يشعر أصحاب المظالم بأن العدالة قد أُرجئت إلى أجل غير معلوم، أو أن دماء الضحايا أصبحت مجرد صفحة أُغلقت دون حساب.
فالأمم لا تنهض بالنسيان، ولا تبنى بالثأر، وإنما تبنى حين يصبح القانون أقوى من الانتقام، وتصبح العدالة أقوى من الإفلات من العقاب.