أُفُول جبال الدب الروسي

من الهيمنة إلى التعاقد والتوافق

وكالة حضر موت

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

ليست كل الهزائم تُعلن بالانسحاب، ولا تُقاس كل الانتصارات بعدد السفن والطائرات. أحياناً يكفي أن يتغير شكل الحضور لندرك أن مرحلة كاملة من النفوذ بدأت تتآكل.

ومن هنا يمكن قراءة التحول الروسي في البحر المتوسط. فبعد أكثر من عقد من الحضور البحري الدائم، غابت السفن الحربية الروسية عن المتوسط في يوليو/تموز 2026، في مشهد يتجاوز حركة القطع البحرية ليعكس تحولات أوسع فرضتها الحرب الأوكرانية، والقيود الجغرافية، وتراجع الدور الروسي في سورية.

كان المتوسط بالنسبة إلى موسكو منصة نفوذ وموازنة قوة وحماية للمصالح الروسية. أما اليوم، فقد أصبحت روسيا أمام واقع مختلف: موارد عسكرية أكثر استنزافاً، مسارح متعددة، وعقوبات تدفعها إلى توجيه جزء أكبر من قدراتها لحماية اقتصادها وشبكات تجارتها.

وهنا تكمن المفارقة: روسيا التي كانت تستخدم القوة البحرية لإظهار النفوذ، أصبحت تستخدمها بصورة أكبر لحماية المصالح.

لكن هذا لا يعني نهاية روسيا، بل نهاية نموذج معين من القوة الروسية. فموسكو ما زالت تمتلك أوراقاً عسكرية وسياسية واقتصادية، لكنها أصبحت أكثر انتقائية في استخدامها، وأقل قدرة على فرض حضورها المباشر في كل الساحات.

وهكذا ينتقل النفوذ الروسي تدريجياً من الوجود العسكري إلى النفوذ السياسي، ومن الهيمنة إلى التعاقد، ومن فرض الشروط إلى التفاوض على الشروط.

والسؤال لم يعد: ماذا تريد روسيا من الشرق الأوسط؟

بل: ماذا تستطيع روسيا أن تقدم له؟

وهنا تكمن دلالة التحول.

فحين تتراجع قدرة القوة الكبرى على فرض حضورها، يبدأ عصر جديد من العقود والتفاهمات والتوازنات. وفي شرق المتوسط، لن يبقى الفراغ فراغاً طويلاً.

إن ذوبان جبال الدب الروسي لا يعني موت الدب، بل يعني تغير حجمه السياسي.

ومن روسيا التي كانت تقول: «أنا هنا»، إلى روسيا التي تقول: «فلنتفق».

وحين تذوب جبال الدب، تبدأ جبال أخرى في الظهور.

مقالات الكاتب