من القلب
وفاء سيود
جئتكم محمّلة بأحاديث يصعب عليّ التطرق إليها، لكنني مجبرة على قول ما أراه حقائق. لقد مررنا بالعديد من...
يواجه المسؤولون في مختلف المستويات الإدارية، خطرا داهما يعيق أعمالهم في تنفيذ مهامهم اليومية، وتحقيق التنمية المرجوة، ألا وهو التزلف الذي يقوم به بعص المحيطين بهم، بهدف خدمة مصالحهم الضيقة، فما هو التزلف إذن، ومن هم المتزلفين؟.
التزلف: هو سلوك اجتماعي ونفسي يقوم على المبالغة في إظهار الود والطاعة، والمدح لشخص ما، ليس بدافع الاحترام الحقيقي أو التقدير، بل بهدف تحقيق مصلحة شخصية، أو الوصول إلى مكاسب معينة، أو كسب رضا شخص ذو نفوذ أو سلطة، وعليه فالمتزلفون أو أصحاب التملق والنفاق الاجتماعي، هم فئة من الناس يعتمدون أسلوب التقرب المصلحي، للوصول إلى أهدافهم، وهذه ظاهرة موجودة في كل الأوساط التي يوجد فيها سلطة أو نفوذ أو ثروة، حيث يعمل المتزلفون على إغداق الثناء على المسؤول حتى في المواقف التي تستوجب النقد أو التصحيح، والحرص على إخبار المسؤول بما يود سماعه لا بما يجب أن يعرفه، مما يجعله يعيش في وهم.
يعمل المتزلفون على محاربة المخلصين وأصحاب الكفاءات، فهم في نظر المتزلف أعداء يجب التخلص منهم، إذ يشعر المتزلف بتهديد دائم من الشخص المخلص أو الخبير، الذي يقول الحقيقة للمسؤول، فيسعى لتشويه سمعته أو إقصائه ليبقى هو المصدر الوحيد للمعلومات لدى هذا المسؤول.
أن وجود المتزلفين حول صانع القرار (مثل محافظ المحافظة)، يؤدي إلى تآكل ثقة الناس به، لأنهم يرون حوله أشخاصاً لا يمثلون الكفاءة ولا النزاهة، كما يتسبب المتزلفون في فشل الخطط التي تُبنى على تقارير مشوهة، اعتمادا على هؤلاء المحيطين.
لا يمتلك المتزلف مبادئ ثابتة؛ فإذا تغير المسؤول أو فقد منصبه، كان أول من يتخلى عنه أو ينقلب عليه، لأن ولائه كان لمصالحه الشخصية وليس للشخص أو الوطن، إذ يفتقر المتزلف غالباً إلى الاستقلالية في الرأي، بل يرى أن الطريق الأسهل للترقي أو الحماية، أو الحصول على المكاسب هو استرضاء صاحب القرار، بغض النظر عن الحق أو الباطل، أو مدى كفاءة القرار الذي يتخذه المسؤول.
يوجه المتزلف طاقته واهتمامه نحو الأشخاص الذين يمتلكون "سلطة المنح والمنع" (المدير، صاحب النفوذ، المسؤول)، ويتجاهل أصحاب الكفاءة الذين لا يملكون نفوذاً.
لماذا يُعد التزلف ظاهرة سيئة؟.
للتزلف مضار سلبية للغاية، إذ يساهم في فشل المؤسسات المختلفة في تحقيق أهدافها، ويمكن أن نذكر هنا بعض عيوب التزلف:
عندما يصير التزلف معياراً للترقي أو نيل الحظوة، تضعف المؤسسات في تقديم خدماتها، لأن الكفاءات الحقيقية تُهمش، بينما تُسند المسؤوليات لـ أهل الثقة (المتزلفين) بدلاً من أهل الخبرة.
خلق بيئة عمل طاردة، إذ أن التزلف يؤدي إلى زرع بذور الحقد والغيرة بين الزملاء، ويقضي على روح العمل الجماعي والنزاهة والعدالة.
كما قد يؤدي التزلف إلى عزل المسؤول عن الواقع؛ فالمتزلف يغلف الحقيقة ويقدم صورة وردية مزيفة، مما يحرم القائد من التغذية الراجعة الصادقة، التي يحتاجها لاتخاذ قرارات صحيحة.
والتزلف هو أحد أكبر الأعداء لبناء مؤسسات قائمة على الإدارة الرشيدة والعدالة المؤسسية، علاوة عن أن في التزلف تنازلاً عن العزة والكرامة الشخصية، حيث يضع الإنسان نفسه في موضع التابع الذي لا يملك رأياً مستقلاً.
الخلاصة:
المتزلف ليس صديقاً للمسؤول، بل هو مستثمر فيه، فهو يبيع للمسؤول الرضا الزائف، مقابل المكاسب الحقيقية، والقائد الذكي هو الذي يعرف أن من يقول له لا حين يخطئ، هو أكثر ولاءً لمصلحته وتاريخه، من الذي يقول له نعم على كل الأحوال، وعليه ينبغي الحذر من المتزلفين، وإبعادهم إذا أردنا أن نبني مؤسسات ناجحة وفاعلة.