صالح أبوعوذل

الوصاية السعودية في الإعلام السعودي

وكالة أنباء حضرموت

المملكة السعودية تتصرف تجاه الجنوب كدولة بـ«الفكر الوهابي القديم»، تلوّح بالعنف والإرهاب، وتذكّر الجنوبيين بحرب المعادلة الصفرية. في بداية يناير 2026م، لا توجد دولة في العالم توجّه إعلامها ليجعل من الإرهاب أداة سياسية لقتل القضايا الوطنية، ومنها قضية ما تصفه الصحافة السعودية بـ«اليمن الجنوبي».
قد يسأل البعض: لماذا تتعامل السعودية بأدوات القمع والإرهاب السياسي والعسكري تجاه قضية شعب يناضل منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي؟ حينها كان موقف الرياض – وعلى لسان العاهل السعودي فهد بن عبدالعزيز – يحضّ تحالف جماعة الإخوان المسلمين والأفغان العرب، وبينهم سعوديون أصبحوا لاحقا قادة تنظيم جزيرة العرب القاعدي، على ضرورة اجتياح عدن وإسقاطها بقوة وسرعة؛ بحسب مذكرات عبدالله بن حسين الأحمر.
فالجارة الكبرى كانت ولا تزال تتعامل مع الجنوب من زاوية إخوانية جهادية؛ فالدولة الجنوبية الاشتراكية التي كانت قبل أربع سنوات من الحرب قد ذابت مع نظام صنعاء الذي تحالف مع العراق في اجتياح الكويت، وكان الفكر الجهادي الإخواني يرى في الجنوب بقايا «اشتراكية» يجب التخلص منها. وقد ظل الإعلام السعودي يتعامل مع الجنوب كملف «بقايا ماركس ولينين» حتى اليوم، وهو موقف سعودي متصلب تجاه شعب حاول التسامح مع النظام السعودي في حرب إيران المفترضة التي خاضها العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز على أرض الجنوب.
لسنا في صدد التذكير بالموقف السعودي تجاه الجنوب منذ تحرير عدن في منتصف يوليو 2015م؛ فبلاد محمد بن سلمان وشقيقه خالد كانت مناهضة لأي مشروع سياسي جنوبي، تحت مزاعم أن السعودية تريد الحفاظ على اليمن الموحّد. وطبعا لا يرى نظام الرياض أي مجال لمناقشة فكرة مستقبل الحوثيين، سوى فهم الأبعاد المذهبية التي باتت السعودية تخشى استثمارها من قبل النظام الإيراني؛ فهي تفضّل أن يظل الصراع المذهبي الداخلي تحت الرماد، عبر إشعال الحروب في الجنوب الذي باتت الحرب موجّهة ضده سعوديا بصورة انتقامية لأنه «هزم إيران وأذرعها»، وإن كان ذلك باسم حرب الرياض ضد طهران.

المتابع للصحافة السعودية يدرك ما يمكن وصفه بـ«الفكر الوهابي المتطرف» في الخطاب والمفردات؛ فالسعوديون، وهم يحتلون بلدنا ويهيمنون عليها عسكريا ويقتلون المتظاهرين بدعوى الدفاع عن الأمن والاستقرار، يسوّقون مسوغات متطرفة مفادها أنهم يفعلون ذلك من أجل تحقيق الأمن والاستقرار. وتذهب صحيفة الجزيرة السعودية إلى القول إن «قتل المتظاهرين في شبوة هو في الأساس محاولة سعودية لتحقيق الأمن والاستقرار».

يعتقد السعوديون أن رمي الاتهامات على دولة الإمارات العربية المتحدة، التي غادرت الجنوب واليمن، قد يجعل من المبرر لهم الاستمرار في الإرهاب وقتل الناس؛ والهدف استمرار نهب الموارد الطبيعية من نفط ومعادن، ولا مانع أن تكون هناك اتفاقيات شكلية. فالمليار دولار التي قدمها ابن سلمان لدونالد ترامب – كهدية محبة – تسعى السعودية إلى استعادتها من موارد الجنوب.

وطبعا يشعر السعوديون أن لا أحد يمكن أن يسألهم حول طبيعة هذه الاتفاقيات؛ فيكفي الرياض أن تتحدث عن عدالة القضية الجنوبية وعن الحوار الجنوبي – الجنوبي الذي لا تاريخ لعقده، لكي تحصل على توقيع على ورق أبيض من رشاد العليمي يمنحها أحقية «قضم الأرض ونهب الموارد».

قدّمت صحف سعودية، من بينها صحيفة الجزيرة، اعترافات صريحة بأن وزير الدفاع خالد بن سلمان قد حلّ المجلس الانتقالي، وقام بتصفية نفوذ الجنوب العسكري واعتقال قياداته، تحت مبرر «الدفاع عن الأمن القومي السعودي». ولا مانع من رمي الاتهامات على دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة واستحضار أكثر من ملف، في حين أن الفكر المتطرف الجديد – بحسب الطرح – يدعم الحوثيين ويتبنى الإخوان والقاعدة، والذي أُعيدت صياغته من قبل ابن سلمان من بوابة الأمن القومي.

تسخر السعودية كل إمكانياتها المادية والعسكرية والفكر المتطرف لمحاولة فرض سردية جديدة قديمة مفادها أن الحكومة التي اختارتها الرياض، على غرار حكومة صدام حسين في الكويت، تمثل الاستقرار، وأن أي احتجاجات هي في الأساس دعوات إلى الانفصال، في الوقت الذي يقول فيه وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إنه يدعم الاعتراف بالقضية الجنوبية الوطنية. فالحكومة اليمنية التي ترسل الرياض أعضاءها إلى عدن فرادى هي – وفق هذا الطرح – مجموعة من الأشخاص الموظفين لدى الحاكم العسكري فلاح الشهراني.

وربما وصل أعضاء الحكومة المشكلة من قبل إدارة اللجنة الخاصة السعودية إلى قناعة أن دورهم يقتصر على «تعزيز الوصاية الإقليمية»، والمبرر الوحيد أن اليمن «حديقة خلفية» لأمن السعودية، وهو الأمر الذي أشارت إليه صحيفة الجزيرة السعودية على لسان أحد كتّابها، الذي ذهب إلى خلق مبررات ورمي اتهامات لتبرير الحرب السعودية والسعي الحثيث لنهب الموارد الطبيعية ولو عبر اتفاقيات شكلية، من قبيل الاتفاق الجيولوجي، حيث تبدو المبررات جاهزة: «مؤامرة خيانة أمن قومي» لكل من يعارض المطامع السعودية.

نقرأ هذه السياسة السعودية التوسعية من بوابة الصحافة السعودية الرسمية التي – بالمناسبة – ليست ذبابا إلكترونيا بقدر ما هي سياسة إعلامية تشير بوضوح إلى مشروع سعودي توسعي قائم على الهيمنة ونهب الموارد لتعويض الخسائر المادية باسم حرب عبثية قادتها السعودية بدعوى محاربة إيران، لتجد نفسها – بحسب هذا الطرح – مجبرة على تقبيل يد المرشد الأعلى خامنئي والاعتذار له عن حرب لم تدمر سوى الجنوب.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل كانت الحرب السعودية الأخيرة – وفق هذا التصور – تهدف إلى السماح للحوثيين بتهريب الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة من موانئ المهرة وعبر صحراء حضرموت. فهل يكفي هذا لتقديم قراءة موضوعية لموقف سعودي بات واضحا أنه يتعامل مع الجنوب من منطلقات دينية متطرفة، وأن الاستقرار بالنسبة لهذا المشروع يعني الحصول على حق تصدير النفط والتنقيب عن المعادن وتعويض الأموال التي دفعتها الرياض لشراء موقف دونالد ترامب من هاجس اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، وهي قضية أصبحت تؤرق صناع القرار السعودي كثيرا؟

مقالات الكاتب