صالح أبوعوذل

حين يغرق القبطان .. (قصة لا تقبل التأويل)

وكالة أنباء حضرموت

في منتصف العام 2023م، قابلت صديقًا من أبناء شبوة في ساحة العروض بخور مكسر، وبينما كنا ندردش معًا، اقترب منا شاب (إثيوبي الجنسية)، وسلم على صديقي بحفاوة كبيرة، بدا لي أن الشاب يشعر بالامتنان تجاه صديقي.  
أدخل صديقي يده في جيبه، لكن الشاب ابتعد قليلًا ملوحًا بيده أنه لا يريد "شيئًا"، وأمام إصرار صديقي، أخذ ما قدم له على استحياء.  
قال لي صديقي: "لو تعرف قصة هذا الشاب، لوجدتها أشبه بالمعجزة..."  
صعد صديقي معي إلى السيارة، وانطلقنا صوب الجسر البحري. سألته بعد أن دخلنا الشارع الرئيسي: "ما هي قصته؟"  
قال: "هذا الشاب كان مع مجموعة من الأشخاص في رحلة على متن قارب متهالك، محفوفة بالمخاطر. وحين اقتربوا من الشاطئ، اكتشفوا تسرب المياه إلى قاع القارب من خلال فتحات وتشققات. فأخذ كل واحد منهم يده ووضعها فوق الفتحات والتشققات، وكانت فكرة ناجحة بالنسبة لهم، إذ تمكنوا من الاستمرار في الإبحار نحو الشاطئ بأمان.  
لكن القبطان  – كانت لديه فكرة أخرى – أشار إلى مساعده بأن عليه تخفيف "الحمولة". كيف؟ برمي بعض هؤلاء المهاجرين في البحر، ليقطعوا المسافة الطويلة سباحةً.  
ومن سوء الطالع، كان أول من تم رميه في عرض البحر ذلك الشاب، الذي كان أكثرهم جهادًا في منع المياه من التسرب إلى داخل القارب. وكانت النتيجة أن تسربت المياه بشكل أكبر، لأنه لم تكن هناك "يد أخرى" تسد الفتحة في أسفل القارب.  

شعر قبطان القارب بخطورة الموقف، وكان مساعده قد انتهى من رمي جميع المهاجرين في البحر. استلقى هذا الشاب على ظهره، وأخذت الأمواج تدفعه نحو الشاطئ، وحين اقترب، اكتشف أن كل رفاقه في الرحلة قد وصلوا بالفعل إلى الشاطئ.  
استراح على الرمال منهكًا جدًا، وإذا به يشاهد شخصين يحاولان العوم صوب الشاطئ. من هما؟ إنهما  القبطان ومساعده! فقد غرق القارب، ولم يتبق أمامهما سوى السباحة نحو الشاطئ.  
ينقل صديقي عن الشاب الإثيوبي قوله: "لك أن تتخيل الجشع والغرور الذي كان يتعامل به القبطان ومساعده طوال الرحلة، وكيف انتهى بهما الحال كمهاجرين يبحثان عن قطعة خبز يسدان بها جوعهما، ويفكران في حيلة أخرى للعودة إلى الموانئ الصومالية، كي يشتريا قاربًا آخر، ويعودا إلى مهمتهما الأساسية: تهريب المهاجرين قسرًا من بلدانهم".
سألت صديقي: وأنت، كيف تعرفت عليه وعرفت قصته؟  
فقال: "التقيت بهذا الشاب في عتق، بعد أيام من وصولهم إلى مركز المحافظة. كان الوحيد من بينهم الذي يتحدث العربية، لكنها كانت مكسرة. حكى لي القصة التي تعرضوا لها، وكنت ألتقيه يوميًا في عتق، قبل أن ينتقل إلى عدن للعمل هنا في أحد المطاعم".
الحكمة من هذه القصة: "إذا كنت في عرض البحر، لا تفكر في النجاة وحدك، بل فكر في كيفية إيصال السفينة إلى بر الأمان، فقد تحتاج إلى كل يد تسد الشقوق أو الفتحات أو الثقوب التي قد تظهر طوال الرحلة. كذلك هي الحياة، لا تنجح إلا بالتعاون والتكاتف مهما كان حجم من تحتاج إليهم".

مقالات الكاتب