ترامب والنفط و«فوكلاند».. المونديال يوقظ «المارد الخامد»

وكالة أنباء حضرموت

تصريحات أمريكية سرية تعيد إحياء نزاع ظل خامدا لأكثر من 4 عقود، لتمتزج السياسة بالرياضة في مفارقة نادرة تكشف التداخل بين العالمين.

وبحسب صحيفة «تليغراف» البريطانية، تحولت مباراة نصف نهائي ضمن كأس العالم، تجري حاليا بين إنجلترا والأرجنتين، إلى ساحة لتجدد نزاع إقليمي عمره قرنان، بعد أن أشعلت تصريحات أمريكية سرية وتحركات دبلوماسية أرجنتينية فتيل التوتر مجدداً في جنوب المحيط الأطلسي.

ولم تكن المنافسة بين إنجلترا والأرجنتين على أرض الملعب مجرد مواجهة كروية عابرة، بل امتداداً لعداوة تاريخية تعود إلى حرب 1982 التي اندلعت على جزر فوكلاند، تلك البقعة النائية في جنوب المحيط الأطلسي التي تبعد نحو 300 ميل عن الساحل الأرجنتيني، وفقا للصحيفة.

وبينما كان هناك أمل في أن يتمكن الرئيس الأرجنتيني الشعبوي خافيير ميلي من تخفيف حدة الخطاب السياسي حول السيادة على الأرخبيل، جاءت التحركات الأمريكية لتعيد إحياء النزاع الذي ظل خامداً لأكثر من أربعة عقود.

جذور النزاع: تاريخ من التنافس الاستعماري
تعود جذور النزاع إلى عام 1765، حين أنشأت بريطانيا أول مستوطنة لها في الجزر، تزامناً مع مطالبات فرنسية وإسبانية بأجزاء من الإقليم.

ورغم التنازلات الفرنسية للإسبان والانسحاب البريطاني الطوعي عام 1774، إلا أن لندن لم تتنازل أبداً عن سيادتها، تاركة لوحة تعلن ملكيتها البريطانية.

وفي عام 1811، انسحبت إسبانيا تحت ضغط حروبها في أمريكا الجنوبية، لتعلن الأرجنتين سيادتها على الجزر عام 1820، مستندة إلى مبدأ "الوضع الراهن" الذي يمنح الدول المستقلة حديثاً حقوق الأراضي الموروثة.

لكن بريطانيا عادت عام 1833، وطردت السلطات الأرجنتينية من الجزيرة، وأعادت تأكيد سيادتها التي استمرت حتى اليوم، مع تأييد الغالبية العظمى من سكان الجزر لبقائها تحت السيطرة البريطانية في استفتاءات متتالية.

حرب 1982.. جراح لم تندمل

في أبريل/نيسان 1982، تصاعد النزاع إلى حرب شاملة عندما غزا المجلس العسكري الأرجنتيني الجزر.

وردت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر بإرسال قوة بحرية لمسافة 8000 ميل، وبعد 74 يوماً من المعارك الضارية التي أسفرت عن مقتل 255 جندياً بريطانياً و649 أرجنتينياً، استسلمت الأرجنتين في 14 يونيو/ حزيران من العام نفسه.

ورغم الهزيمة، لم تُحسم القضية رسمياً، وظلت الأرجنتين تتمسك بمطالبتها، بينما عززت بريطانيا سيطرتها بمنح سكان الجزر الجنسية البريطانية عام 1983 ودستوراً جديداً منحهم حكماً ذاتياً فعلياً.

وجاء التحول المفاجئ في أبريل/نيسان الماضي، حين كشفت رسالة بريد إلكتروني مسربة من وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" عن خطط أمريكية سرية لدعم المطالبة الأرجنتينية بالجزر، كجزء من استراتيجية لمعاقبة الحلفاء الأوروبيين لعدم دعمهم حرب ترامب ضد إيران.

ورجحت المصادر الدبلوماسية أن يكون النفط المحتمل في مياه الجزر وعلاقة ترامب الوثيقة بميلي (الرئيس الأرجنتيني) من العوامل الرئيسية، وسط تكهنات بأن الرئيس الأمريكي قد يرغب في ضمان حصة للشركات الأمريكية من أي صفقات نفطية مستقبلية.

وفي استغلال للأجواء الرياضية المتوترة، كتب وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كويرنو مقالاً اعتبر فيه أن سكان الجزر "مستقدمون قسراً"، رافضاً استفتاء 2013، بينما انتشرت لقطات للاعبي الأرجنتين وهم يهتفون بالفوز على إنجلترا "من أجل جزر مالفيناس".

وفي منشور عبر منصة إكس، وصفت نائبة الرئيس الأرجنتينية فيكتوريا فيلارويل إنجلترا، مؤخرا، بأنها "قراصنة مغتصبون" عشية المباراة الحاسمة.

ورغم جهود الحكومة البريطانية لتقليل أهمية التصريحات، أكدت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر أن أي نقاشات حول السيادة غير واردة، في وقت يستعد رئيس الوزراء الجديد آندي بورنهام لمعالجة القضية بعد توليه منصبه.

وفيما صرح ميلي بأن المطالبة الأرجنتينية "غير قابلة للتفاوض"، يأمل الجانبان أن تتلاشى القضية من دائرة الضوء بعد المباراة.

لكن ما حدث أثبت أن نزاعاً عمره قرنان لا يندثر بصفارة حكم، وأن كرة القدم قد تكون أحياناً ساحة لحروب لا تنتهي على أرض الملعب.