العراق يبدأ تسلم السلاح.. والنجاح رهن العقبات المزمنة

وكالة أنباء حضرموت

مع إعلان الحكومة العراقية بدء استلام كميات من الأسلحة من بعض الفصائل المسلحة، يعود أحد أكثر الملفات تعقيداً في البلد الآسيوي إلى الواجهة.

فبينما انطلقت الإجراءات التنفيذية ضمن أطر قانونية وتنظيمية متدرجة، دون سقف زمني محدد لعملية حصر السلاح بيد الدولة، يظل نجاح المشروع مرهوناً بقدرته على تجاوز عقبات متراكمة امتدت لسنوات.

تطورات على الأرض
ويوم السبت، أعلنت وزارة الدفاع العراقية، انطلاق عملية حصر السلاح بيد الدولة من مدينة سامراء، باستلام كميات كبيرة من الأسلحة، مشيرة إلى أنه لا يوجد جدول زمني بعملية حصر السلاح بيد الدولة.

ونقلت عن مدير الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء الطيار تحسين الخفاجي، قوله، إن «عملية الانتقال والاندماج معقدة ومهمة، وتحتاج إلى أطر قانونية وتنظيمية وتوفير درجات وظيفية، نظراً لارتباطها بأسلحة ثقيلة، ومعدات، وأشخاص، ورواتب، واستحقاقات وظيفية».

وأكد أن «الخطوات المهمة قد بدأت بالفعل من خلال الاعتماد على القوانين والأنظمة والآليات المعتمدة للاستلام»، مطمئناً أن «العمل على هذا الملف يسير بسلاسة، ولا يوجد سقف زمني لإنهاء هذا الملف».

تلك التطورات طرحت تساؤلات بشأن ما إذا كان العراق قد دخل فعلاً مرحلة التنفيذ العملي لحصر السلاح بيد الدولة، أم أن التعقيدات السياسية والقانونية واللوجستية ما زالت تحد من فرص الحسم.

سقف زمني
وإلى ذلك، قال المحلل السياسي والخبير الأمني العراقي اللواء ركن محمد عاصم شنشل، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن العراق يمتلك كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، سواء لدى القوات الأمنية أو الفصائل أو بعض العشائر، معتبراً أن ما جرى تسليمه أو ما قد يُسلَّم مستقبلاً يمثل، نسبة محدودة مقارنة بحجم الأسلحة الموجودة خارج إطار الدولة.

وأوضح الدكتور شنشل أن إعلان وزارة الدفاع عدم وجود سقف زمني لإنهاء ملف حصر السلاح يرتبط، بالمتغيرات التي رافقت تشكيل الحكومة وتسلم وزير الدفاع الجديد مهامه، معتبراً أن الملف لا يخضع بشكل كامل لسلطة وزارة الدفاع أو رئيس الوزراء.

وأضاف أن غياب جدول زمني لإنجاز الملف لا يمنح الحكومة مرونة أكبر فحسب، بل يعكس – بحسب رؤيته– وجود عرقلة تحول دون تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أن هذا الملف ظل مطروحاً ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة دون الوصول إلى نتائج حاسمة.

ورأى أن المخاطر المرتبطة بعدم حسم ملف السلاح قائمة بالفعل منذ سنوات، مؤكداً أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يعني بقاء هذه المخاطر دون تغيير، مشيرًا إلى أن الفصائل المسلحة وخاصة أذرع إيران الموجودة في العراق، تمتلك أسلحة وإمكانات تفوق ما تمتلكه القوات الأمنية.

وأشار إلى أن ملف حصر السلاح بيد الدولة يُطرح مع كل حكومة جديدة، لكنه توقع أن يتراجع الاهتمام به تدريجياً مع مرور الوقت، كما حدث في مراحل سابقة.

في السياق نفسه، قال المحلل السياسي العراقي الدكتور حكيم عبد الكريم في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن العراق لم يدخل بعد مرحلة نزع السلاح خارج إطار الدولة بشكل فعلي، معتبراً أن الإجراءات الحالية ترتبط بإعادة النظر في هذا الملف والتعامل مع الضغوط الدولية، ولا سيما الأمريكية، إلى جانب الاستعداد للتعامل مع الجماعات المسلحة الموجودة خارج الإطار الرسمي للمؤسسة العسكرية العراقية.

وأكد أنه من الصعب تحديد إطار زمني لنزع سلاح الجماعات المسلحة في العراق، مشيراً إلى أن بعض هذه الجماعات تستند، إلى مبررات قانونية مرتبطة بقانون الحشد الشعبي الذي أقره البرلمان العراقي، ما يوفر لها غطاءً قانونياً للاستمرار.

تحديات سياسية وقانونية

واعتبر الخبير الأمني اللواء محمد عاصم شنشل، أن التحديات السياسية والقانونية ما زالت تمثل العائق الرئيسي أمام حسم ملف حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أن هذه التحديات لا تؤدي فقط إلى تأجيل تنفيذ المشروع، بل قد تسهم، في إرجائه أو عرقلته، بحسب تقديره.

وفيما يتعلق بالتعقيدات المرتبطة بالدرجات الوظيفية والرواتب والاستحقاقات، قال إن العديد من الملفات الوظيفية والمالية ما زالت، دون معالجة كاملة، لافتاً إلى أن الدرجات الوظيفية التي أعلنتها الحكومة لم تُحسم نتائجها بشكل نهائي حتى الآن.

كما أعرب عن اعتقاده بأن بعض هذه الإجراءات قد تستفيد منها جهات مرتبطة بفصائل وأحزاب سياسية.

بدوره، قال المحلل السياسي العراقي الدكتور حكيم عبد الكريم، إن ما يجري حالياً يمثل، «فرضاً لواقع معين أكثر من كونه نابعاً من قناعة كاملة بالتخلي عن العقائد والتوجهات العسكرية ذات الطابع المذهبي أو الفئوي، خصوصاً لدى بعض الجماعات المسلحة الشيعية».

وأشار إلى أن الحديث عن تقديم إغراءات أو امتيازات وظيفية في إطار معالجة الملف يثير تساؤلات بشأن دوافع هذه الخطوات، معتبراً أن «أي تخلي عن السلاح نتيجة حوافز أو مناصب أو اعتبارات مرتبطة بالمحاصصة والمحسوبية قد لا يؤدي إلى النتائج التي يتطلع إليها كثيرون».

واعتبر أن مواقف بعض القوى بشأن تسليم السلاح ترتبط أيضاً بحسابات سياسية وشعبية، لافتاً إلى أن خطوة تجميد أو تسليم السلاح من قبل بعض الأطراف قد تُستخدم في إطار التنافس السياسي أو للحفاظ على التأييد الشعبي، فيما تبقى العقيدة الفكرية والتنظيمية لهذه القوى عاملاً مؤثراً في مواقفها.

فرص النجاح
وأكد الخبير الأمني اللواء محمد عاصم شنشل أن نجاح مشروع حصر السلاح لا يمكن قياسه، في ظل استمرار وجود كميات كبيرة من السلاح لدى الفصائل والعشائر وجهات سياسية مختلفة، مشيراً إلى أن عمليات تسليم الأسلحة التي جرت خلال السنوات الماضية لا تمثل سوى جزء محدود من إجمالي الأسلحة المنتشرة.

وأضاف أن استمرار ضبط أسلحة بحوزة شخصيات ومسؤولين يعكس، بحسب رأيه، حجم انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية، معتبراً أن السلاح أصبح أداة مؤثرة في المشهد السياسي العراقي.

وأكد أن تحقيق تقدم فعلي في هذا الملف يتطلب، من وجهة نظره، تدخلاً وضغطاً من قوى سياسية مؤثرة لإنهاء هذه الإشكالية بصورة سريعة.

في السياق نفسه، قال المحلل السياسي العراقي الدكتور حكيم عبد الكريم، إن مشكلة العراق لا تقتصر على وجود السلاح خارج إطار الدولة، بل ترتبط كذلك، بآليات إدارة الدولة وضعف الإصلاحات البنيوية في المؤسسات الديمقراطية، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالخدمات العامة والرعاية الصحية والتشغيل والاستقرار الاجتماعي.

وخلص إلى أن معالجة ملف السلاح تتطلب، من وجهة نظره، تعزيز الثقافة الديمقراطية وبناء مؤسسات مدنية فاعلة والابتعاد عن المحاصصة والمصالح الفئوية، معتبراً أن تحقيق الاستقرار المستدام لا يرتبط فقط بحصر السلاح، بل أيضاً بإصلاح البيئة السياسية والمؤسسية بشكل أشمل.