الأوركسترا اللبنانية تعزف لحن الحياة في مواجهة الحرب
رفعت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو العالمي كريم سعيد راية الصمود الإبداعي في ظل ظروف استثنائية يمر بها لبنان، وذلك بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى، المؤلفة الموسيقية هبة القواس. احتضنت الكنيسة الإنجيلية الأولى في بيروت هذا الحفل الاستثنائي، الذي كان تجسيدا حيا لإرادة الحياة وإعلانا عن عودة الروح الثقافية عبر لغة النغم الإنساني.
افتتحت القواس الحفل بكلمة وجدانية غاصت خلالها في فلسفة المواجهة بالموسيقى، قائلةً “نحن نعزف لنكتب الحياة في مواجهة الموت، ونواصل تشييد عمارة التاريخ المستمر الذي انطلق من هذه الأرض منذ ستة آلاف سنة ولن ينقطع”. كما أشادت بالموسيقيين الذين تحدّوا الصعاب يومياً للوصول إلى التمارين، ووصفتهم بـ”المناضلين الحقيقيين”. وخصّت بالتحية أعضاء “أوركسترا لبنان للشباب” الذين انضموا إلى الفلهارمونية في مشهد رمزي، معلّقةً “حين يحتضن كل عازف كبير موهبةً شابة، فنحن هنا نبني معا مستقبل لبنان الموسيقي”.
تجلّت الخصوصية التقنية للأمسية في أسلوب “القيادة من وراء لوحة المفاتيح”، وهو أسلوب تاريخي عالمي نادر قدّمه المايسترو اللبناني – البريطاني كريم سعيد باقتدار، إذ قاد الأوركسترا من كرسيه خلف آلة البيانو في آنٍ واحد، محوّلاً الصعوبة التقنية المزدوجة إلى تدفق نغمي ساحر أثبت عمق تمكّنه القيادي ومرونته الفنية.
جاء برنامج الحفل محكما، يُحاور الروائع الكلاسيكية العالمية بموازاة الأصالة اللبنانية. افتتحته “الكونشيرتو الثلاثي” لبيتهوفن، ذلك العمل الفريد الذي يتطلب مهارات منفردة عالية وتنسيقا رفيع المستوى، وقد أدّته باقتدار العازفتان المنفردتان على الكمان والتشيللو مع المايسترو على البيانو، ليشكّلوا ثلاثيا حواريا متناغما. ثم انتقلت الأوركسترا إلى “الرقصات اللبنانية” للمؤلف اللبناني إياد كنعان، وهي مقطوعات تُعدّ النظير الشرقي لرقصات الموسيقى الكلاسيكية الغربية، إذ تجمع بين بنية أوركسترالية رصينة وقوالب لحنية متجذّرة في الموروث اللبناني. واختُتم الحفل بـ”السمفونية الأسكتلندية” لمندلسون، التي أوهبت للجمهور رحلة عاطفية فياضة بالشجن والملحمية.
واستطاع المايسترو سعيد أن يستخلص من الأوركسترا “الروح الموسيقية الجرمانية” الخالصة، حتى خُيّل للسامعين أنهم في إحدى القاعات الكبرى في برلين. ويعود هذا التميز إلى أن المدرسة الجرمانية تمثّل النواة الصلبة لهويته الفنية، المبنية على الرصانة البنائية والعمق التعبيري وضبط التوازنات الصوتية الدقيقة.
وفي المحصلة، أثبت هذا الحفل أن رؤية المعهد لا تقف عند حدود اللحظة الراهنة، بل تؤسّس لاستدامة العطاء الاحترافي وترسيخ الهوية الإبداعية اللبنانية وسط أشد الظروف قسوة.