كيف يمكن للبنان أن يخرج نهائيا من دائرة النفوذ الإيراني؟

وكالة أنباء حضرموت

 يقف لبنان اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه الحديث، مع تصاعد النقاشات الإقليمية والدولية حول إمكانية خروجه من دائرة النفوذ الإيراني التي تشكّلت تدريجياً خلال العقود الماضية، وترسخت بشكل أساسي عبر الدور السياسي والعسكري الذي يلعبه حزب الله داخل الدولة اللبنانية.

ولا يُنظر إلى هذا التحول المحتمل كحدث مفاجئ، بل كمسار طويل ومعقد يتداخل فيه الداخلي اللبناني مع الإقليمي والدولي، ويعيد طرح سؤال السيادة في بلد يعيش منذ سنوات على توازنات هشّة بين الدولة ومراكز القوة غير الرسمية.

وفي جوهر هذا النقاش، تبرز مقاربة تعتبر أن لبنان لم يعد مجرد ساحة صراع نفوذ، بل بات أمام فرصة لإعادة تعريف موقعه السياسي، عبر الانتقال من حالة “الدولة المقيّدة” إلى دولة تستعيد قرارها السيادي تدريجياً.

وتستند هذه الفكرة إلى تزايد الاهتمام الأميركي والعربي بضرورة تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الجيش، باعتباره الأداة الأساسية لأي عملية إعادة ضبط للمعادلة الداخلية.

خروج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني، إذا تحقق، لن يكون نتيجة قرار واحد أو حدث سياسي مفاجئ، بل ثمرة مسار طويل من التحولات الداخلية والإقليمية

ولا ينفصل هذا التحول عن تغييرات أوسع في البيئة الإقليمية، حيث تتقاطع التحركات الدبلوماسية مع محاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى لبنان باعتباره إحدى النقاط الأكثر حساسية، نظراً لتشابك تركيبته الداخلية مع امتدادات إقليمية تجعل من أي تغيير داخله انعكاساً لموازين القوى في المنطقة بأكملها.

ويتمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم إمكانية خروج لبنان من النفوذ الإيراني في طبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله. فالحزب، الذي نشأ في سياق مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في ثمانينات القرن الماضي، تحول تدريجياً إلى قوة سياسية وعسكرية تمتلك نفوذاً واسعاً داخل مؤسسات الدولة، إلى جانب ترسانة عسكرية مستقلة عن الجيش اللبناني.

وجعل هذا الواقع من مسألة “حصرية السلاح بيد الدولة” محوراً مركزياً في أي نقاش حول السيادة.

غير أن هذا الملف، رغم مركزيته، لا يمكن فصله عن شبكة أوسع من العوامل الإقليمية. فالدور الإيراني في لبنان لا يقتصر على الدعم العسكري والسياسي لحزب الله، بل يمتد إلى إستراتيجية نفوذ أوسع في المنطقة، ما يجعل أي محاولة لإعادة التوازن الداخلي في لبنان مرتبطة جزئياً بمسار العلاقات بين إيران والقوى الدولية والإقليمية الأخرى.

وفي المقابل، تشير بعض القراءات إلى أن هناك تغيرات تدريجية في البيئة الإقليمية قد تفتح نافذة محدودة أمام لبنان لإعادة التموضع.

ومن بين هذه التغيرات تراجع نسبي في قدرة إيران على إدارة نفوذها الخارجي بنفس الوتيرة السابقة نتيجة ضغوط اقتصادية وسياسية، إلى جانب تنامي توجه عربي واضح، تقوده دول مثل السعودية والإمارات، لدعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتقليص دور القوى المسلحة غير الرسمية.

ولا يقتصر هذا الدعم على الجانب السياسي، بل يمتد إلى الجانب المالي والاقتصادي، خصوصاً من خلال دعم الجيش اللبناني الذي يُنظر إليه كركيزة أساسية لاستقرار البلاد.

ويهدف هذا الدعم إلى تعزيز قدرة الدولة على فرض سلطتها، في محاولة لخلق توازن تدريجي مع القوى المسلحة، بما يسمح بإعادة ضبط العلاقة بين الدولة ومراكز النفوذ المختلفة.

◄ مقاربة تعتبر أن لبنان لم يعد مجرد ساحة صراع نفوذ، بل بات أمام فرصة لإعادة تعريف موقعه السياسي، عبر الانتقال من حالة "الدولة المقيّدة" إلى دولة تستعيد قرارها السيادي تدريجياً

لكن رغم هذه التحولات، فإن الطريق نحو خروج لبنان الكامل من دائرة النفوذ الإيراني يبقى محفوفاً بالتعقيدات. فالداخل اللبناني نفسه يعاني من انقسام سياسي وطائفي عميق، يجعل من بناء توافق وطني حول إستراتيجية سيادية موحدة أمراً بالغ الصعوبة. كما أن النظام السياسي القائم على التوازنات الطائفية يحدّ من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات جذرية دون توافقات داخلية واسعة.

وإلى جانب ذلك، يشكل الواقع الاقتصادي المنهار في لبنان عاملاً إضافياً يعقّد أي مسار إصلاحي. فالأزمة المالية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات أضعفت مؤسسات الدولة بشكل كبير، وجعلت قدرتها على فرض سلطتها محدودة، في وقت تعتمد فيه شرائح واسعة من المجتمع على شبكات دعم مرتبطة بأحزاب وقوى سياسية، ما يعزز من تعقيد المشهد الداخلي.

وفي هذا السياق، يبرز الجيش اللبناني كأحد أهم عناصر التوازن المحتمل. فتعزيز قدراته يُنظر إليه كخطوة أساسية لإعادة بناء الدولة، إلا أن هذا الدور يبقى مشروطاً بالدعم الخارجي المستمر، وبقدرة المؤسسة العسكرية على الحفاظ على حيادها داخل بيئة سياسية شديدة الاستقطاب.

وعلى المستوى السياسي، تُطرح فكرة إعادة إدماج لبنان في محيطه العربي كجزء من أي مسار محتمل للخروج من النفوذ الإيراني.

ولا يقتصر هذا الإدماج على البعد الدبلوماسي، بل يشمل أيضاً إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، بما يساهم في دعم الاستقرار الداخلي وتعزيز مؤسسات الدولة. غير أن هذا المسار يبقى مرتبطاً بإصلاحات داخلية عميقة، تتعلق بالحوكمة ومكافحة الفساد وإعادة هيكلة النظام الاقتصادي.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي محاولة لإعادة رسم التوازن الداخلي في لبنان ستواجه مقاومة من القوى المستفيدة من الوضع القائم، وفي مقدمتها حزب الله، الذي يرى في سلاحه عنصر حماية إستراتيجيا مرتبطا بالصراع مع إسرائيل وبموقع لبنان في المعادلة الإقليمية.

تزايد الاهتمام بضرورة تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الجيش، الأداة الأساسية لأي إعادة ضبط للمعادلة الداخلية

وبالتالي، فإن مسألة نزع السلاح أو حصره بيد الدولة تبقى العقدة الأكثر تعقيداً في أي سيناريو مستقبلي.

ومن جهة أخرى، تطرح بعض التحليلات احتمال أن يكون التغيير في لبنان تدريجياً وليس جذرياً، بمعنى أن البلاد قد تشهد إعادة توازن بطيئة بين الدولة والقوى غير الرسمية، دون الوصول إلى قطيعة كاملة مع النفوذ الإيراني.

ويقوم هذا السيناريو على فكرة “إدارة النفوذ” بدلا من “إزالته”، وهو ما قد يكون أكثر واقعية في ظل التوازنات الحالية.

لكن السيناريو الأكثر طموحاً، من وجهة نظر داعميه، يقوم على إعادة بناء الدولة اللبنانية بشكل كامل، بحيث تحتكر المؤسسات الرسمية قرار الحرب والسلم، وتُعاد صياغة العلاقة بين لبنان وإيران على أساس الدولة وليس على أساس القوى الموازية.

ويتطلب هذا السيناريو تغييرات عميقة في البنية السياسية الداخلية، ودعما دوليا وإقليميا طويل الأمد، إضافة إلى توافق داخلي غير متوفر حاليا بشكل كامل.

وفي النهاية، يمكن القول إن خروج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني، إذا تحقق، لن يكون نتيجة قرار واحد أو حدث سياسي مفاجئ، بل ثمرة مسار طويل من التحولات الداخلية والإقليمية.

ويعتمد هذا المسار على قدرة الدولة اللبنانية على إعادة بناء مؤسساتها، وعلى مدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لدعم هذا التحول، وعلى قدرة النظام السياسي الداخلي على إنتاج تسوية جديدة تعيد تعريف مفهوم السيادة في لبنان.

وبين هذه العوامل المتداخلة، يبقى لبنان في موقع انتقالي دقيق، يتأرجح بين استمرار حالة النفوذ المتعدد، وبين إمكانية بروز دولة أكثر استقلالاً، في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، لا يزال استقراره النهائي بعيد المنال.