لحظة حسم تاريخية في إيران

لحظة حسم تاريخية في إيران

دخلت إيران واحدة من أكثر الفترات أهمية وحسماً في تاريخها الحديث. إن انتفاضة يناير 2026، ومقتل آلاف المتظاهرين على يد حرس النظام الإيراني، وموت الولي الفقیة للنظام علي خامنئي، إلى جانب حربين إقليميتين مدمرتين؛ كلها أحداث وضعت البلاد أمام مفترق طرق تاريخي. لم تقتصر هذه الزلازل المتتالية على هزّ أركان النظام الإيراني فحسب، بل أسقطت الأوهام التي طال أمدها حول طبيعته وأساليبه، وكشفت بوضوح عن القوى الحقيقية التي سترسم مستقبل إيران في نهاية المطاف.

لحظة حسم تاريخية في إيران

حفظ الصورة
حسين داعي الإسلام
وکالة الانباء حضر موت

بقلم حسين داعي الإسلام

دخلت إيران واحدة من أكثر الفترات أهمية وحسماً في تاريخها الحديث. إن انتفاضة يناير 2026، ومقتل آلاف المتظاهرين على يد حرس النظام الإيراني، وموت الولي الفقیة للنظام علي خامنئي، إلى جانب حربين إقليميتين مدمرتين؛ كلها أحداث وضعت البلاد أمام مفترق طرق تاريخي. لم تقتصر هذه الزلازل المتتالية على هزّ أركان النظام الإيراني فحسب، بل أسقطت الأوهام التي طال أمدها حول طبيعته وأساليبه، وكشفت بوضوح عن القوى الحقيقية التي سترسم مستقبل إيران في نهاية المطاف.

التكلفة الكارثية للاسترضاء وحدود الحرب الخارجية

من أوضح الدروس المستفادة في هذه المرحلة، هو الثمن الفادح لسياسة الاسترضاء. لسنوات طويلة، جادل الكثيرون خارج إيران بأن تقديم التنازلات، وإجراء الحوارات، ومحاولات الاستيعاب قد تؤدي إلى اعتدال النظام الكهنوتي. ومع ذلك، فإن السجل الذي سطرته هذه الأحداث يشير إلى العكس تماماً. فبدلاً من الإصلاح، استمر النظام في الاعتماد على الركائز الثلاث ذاتها التي ضمنت بقاءه: القمع الداخلي، الطموح النووي، والعدوان الإقليمي.

مريم رجوي: جبهة «لا للشاه ولا للملالي» شرط أساسي لتأسيس جمهورية ديمقراطية

أكدت السيدة مريم رجوي أن جوهر نضال الشعب الإيراني يرتكز على رفض كافة أشكال الديكتاتورية. وشددت على أن جبهة “لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقیة” هي الضمانة الوحيدة لمنع عودة الاستبداد السابق وضمان نقل السيادة الكاملة لجمهور الشعب في إيران حرة.

رؤية سياسية | أبريل 2026 – الموقف المبدئي للمقاومة من ديكتاتورية الشاه والملالي

كما أكدت التطورات الأخيرة حقيقة أخرى لا تقل أهمية: إن القصف والحروب الخارجية لا يمكنها، بمفردها، إسقاط هذا النظام. لقد ألحقت المواجهات العسكرية أضراراً بالغة، لكنها لم تغير السلوك الجوهري للنظام. لم تُقنع السلطات بالتخلي عن طموحاتها في امتلاك أسلحة نووية، أو التنازل عن حروب الوكالة، أو التوقف عن قمع شعبها. إن النظام لا يزال متمسكاً بسياسة القمع والإكراه، لأن القمع ليس عرضاً جانبياً لحكمه؛ بل هو جوهره وأساسه.

المقاومة المنظمة: البديل الحقيقي والقوة المركزية

إذا كانت هذه الأحداث قد أسقطت الفرضيات القديمة، فقد أبرزت في المقابل واقعاً جديداً وأكثر وضوحاً: الدور الحاسم للشعب الإيراني والمقاومة المنظمة. لا يمكن لأي قوة خارجية أن تحل محل القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على نقل إيران من نير النظام الكهنوتي إلى جمهورية ديمقراطية وتعددية. وفي المعادلة التي تتكشف ملامحها لمستقبل إيران، تبدو هذه القوة المركزية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

لقد شكل العام الماضي فترة نمو استثنائي للمقاومة. فخلال انتفاضة يناير، لعبت وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق دوراً محورياً، حيث نفذت مئات العمليات التي شكلت درعاً لحماية المتظاهرين، وأثبتت قدرة فائقة على تنظيم الشباب في ظل ظروف قمعية قاهرة. لا تكمن أهمية هذه الوحدات في المواجهة الميدانية فحسب، بل في هيكليتها؛ فحركة تبني جذورها في أماكن العمل والأحياء وتندمج في الحياة الاجتماعية العادية، تجعل من شبه المستحيل على الأجهزة الأمنية عزلها أو تدميرها.

جيل جديد يطالب بإسقاط النظام

هذا هو بالضبط السبب الذي يجعل النظام يبدو مذعوراً بشدة من انجذاب جيل جديد إلى منظمة مجاهدي خلق وشبكاتها. هؤلاء الشباب، الذين تصفهم التقارير بأنهم تواقون للتنظيم ومستعدون للتضحية، أظهروا شجاعة مذهلة تحت أقسى الظروف. وحتى عند اعتقالهم، أو الحكم عليهم، أو تهديدهم بالإعدام، فقد أظهروا مرونة وصموداً يعبر عن شيء أكبر بكثير من مجرد معارضة فردية. إنه يشير إلى ظهور جيل سياسي لم يعد يبحث عن تسوية مع النظام القائم، بل يسعى لإسقاطه من جذوره.

لذلك، فإن إعدام السجناء السياسيين في خضم الحرب، بمن فيهم أعضاء منظمة مجاهدي خلق وغيرهم ممن اعتُقلوا خلال الانتفاضة، لا يُنظر إليه ببساطة كعملية قمع، بل كتعبير صريح عن الرعب. يدرك النظام الإيراني أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اضطرابات متفرقة، بل في تقدم استراتيجية محكمة تربط بين الاحتجاج، والتنظيم، والتضحية، والاستمرارية. هذا البعد الاستراتيجي – وليس مجرد لحظات غضب معزولة – هو ما يجعل التحدي الحالي مختلفاً وجذرياً.

هشاشة هيكلية وتحول اجتماعي شامل

ما اتضح جلياً خلال الانتفاضة هو أن هذه الحركة تتجاوز الآن حدود منظمة بعينها، لتصبح ظاهرة اجتماعية أوسع. عندما تتبنى شرائح متزايدة من المجتمع أفكار الحركة ورموزها وأساليبها، فإنها لم تعد مجرد فصيل، بل تصبح تياراً جارفاً. والتيارات، وليست الفصائل المعزولة، هي التي تقتلع الأنظمة المتجذرة.

في الوقت ذاته، يبدو النظام نفسه هشاً بشكل متزايد. إن ضعفه اليوم هيكلي، وليس مؤقتاً. قد يسعى ابن خامنئي لتقليد أسلوب والده ومواقفه، لكن التقليد لا يمكن أن يستعيد سلطة تآكلت بفعل عقود من الأزمات. إن نظاماً أنهكته الحروب، والاستنزاف الاقتصادي، وأزمة القيادة، والتمرد الشعبي، لا يواجه مجرد اضطراب عابر، بل يواجه انهياراً متراكماً.

لو ديبلومات: المقاومة ترفض إرث الشاه والتدخل الخارجي كبديل للنظام الحالي

أبرزت صحيفة “لو ديبلومات” الفرنسية موقف المجلس الوطني للمقاومة الرافض لعودة الديكتاتورية السابقة. وأكد المقال أن الشعب الإيراني الذي أسقط نظام الشاه لن يقبل باستبدال ديكتاتورية الولي الفقیة بنظام وراثي آخر، بل يتطلع لجمهورية تقوم على صناديق الاقتراع والعدالة الاجتماعية.

إعلام دولي | أبريل 2026 – الرفض الشعبي لإرث الديكتاتورية الملكية والكهنوتية

البعد الإقليمي: السلام يمر عبر التغيير الداخلي

لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي في هذه المعادلة. لقد أدركت الدول المجاورة، بعد سنوات من محاولة إدارة العلاقات مع طهران عبر التسويات والتنازلات، العواقب المريرة لهذا النهج. إن الاعتقاد بأن التعايش مع النظام يمكن أن يضمن الاستقرار قد اهتز بشدة بفعل الدمار والحرب. لطالما جادلت المقاومة الإيرانية بأن السلام في المنطقة يعتمد بالأساس على إنهاء هذا النظام من خلال الشعب الإيراني ونضاله المنظم. وفي ضوء الأحداث الأخيرة، اكتسبت هذه الرؤية وزناً ومصداقية غير مسبوقة.

ومع استمرار جهود وقف إطلاق النار، قد تدخل إيران مرحلة جديدة. إن تراجع النظام عن برنامجه للأسلحة النووية سيكون أمراً ذو دلالة، خاصة بالنظر إلى التاريخ الطويل للمقاومة في الكشف عن مواقعه ومشاريعه النووية. لكن حتى هذا التراجع المحتمل لا يعني بالضرورة تحولاً نحو الاعتدال. فبالنسبة لنظام يعتمد بقاؤه على القمع، والميليشيات الوكيلة، والابتزاز النووي، فإن مثل هذا التراجع قد يكون ببساطة بداية لانحدار أسرع نحو السقوط.

اليوم، يتمحور مستقبل إيران حول سؤال واحد حاسم: مَن سيشكل نظام ما بعد الأزمة؟ والإجابة التي تتبلور من رحم هذه الأحداث هي أن الحل لا يكمن في الاسترضاء ولا في الحروب الخارجية. إن القوة الحاسمة والمقررة تكمن داخل إيران نفسها – في شعب دفع ثمناً باهظاً، وفي مقاومة منظمة مصممة على تحويل هذه التضحيات إلى تغيير سياسي حقيقي ومستدام.