أمريكا والحلفاء.. هل دخلت الشراكة الأطلسية مرحلة التفكك الهادئ؟
هل دخلت الشراكة الأطلسية مرحلة التفكك الهادئ مدفوعة بعاصفة خلافات أججها ملف تأمين مضيق هرمز؟
خبراء في العلاقات الدولية يعتبرون أن التطورات الأخيرة بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين بشأن ملف تأمين مضيق هرمز لا تعكس مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل تشير إلى تحول بنيوي أعمق في طبيعة النظام الدولي الغربي.
ورأوا أن ما يجري اليوم يعيد تعريف مفهوم التحالف ذاته، في ظل تراجع الثقة المتبادلة وتباين الأولويات الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي.
وبحسب صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، تكشف الأزمة المرتبطة بتأمين مضيق هرمز عن تحول أعمق من مجرد خلاف دبلوماسي بين الولايات المتحدة وأوروبا، لتطرح سؤالاً أكثر اتساعاً حول مستقبل التحالفات الغربية نفسها.
في قراءته، يرى فرنسوا هايسبورغ، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية والمتخصص في قضايا الأمن الأوروبي والعلاقات الأطلسية، أن ما تشهده العلاقات بين أوروبا وأمريكا يعكس نهاية تدريجية لنموذج "التحالفات الصلبة" الذي حكم النظام الدولي منذ الحرب الباردة.
ويقول هايسبورغ لـ"العين الإخبارية"، إن ردود الفعل الأمريكية الأخيرة، ولا سيما في القضايا الأمنية الحساسة مثل الملاحة الدولية، تعكس انتقالاً من منطق "الحوكمة الجماعية للأمن" إلى منطق "إدارة القوة"، حيث تحتكر الدول الكبرى القرار الأمني وتتعامل مع الحلفاء كأدوات دعم لا كشركاء في القرار.
ورأى أن هذا التحول يضعف قدرة أوروبا على التأثير، ويجعلها في موقع رد الفعل بدل المبادرة.
تعريف جديد
من جانبها، قالت ناتالي توكيه، مديرة المعهد الإيطالي للشؤون الدولية، والمتخصصة في السياسة الخارجية الأوروبية والعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لـ"العين الإخبارية"، إن "السياسة الأمريكية الحالية تعكس إعادة صياغة جذرية لمفهوم القيادة العالمية".
وأوضحت أن "الولايات المتحدة لم تعد ترى في الحلفاء الأوروبيين شركاء متكافئين في إدارة الأزمات، بل أطرافاً يمكن التنسيق معها عند الضرورة دون الالتزام بآليات تشاركية ملزمة".
وأشارت توكيه إلى أن التوتر حول ملف مضيق هرمز يكشف بوضوح هذا التحول، حيث تميل واشنطن إلى تبني مقاربة "التصرف أولاً ثم الإخطار لاحقاً"، بدلاً من العمل عبر أطر متعددة الأطراف مثل "الناتو" أو المبادرات الجماعية.
واعتبرت أن هذا التوجه "يعكس واقعية أمريكية جديدة تقوم على تقليل الكلفة السياسية والعسكرية".
كما رأت توكيه أن اجتماع باريس الأخير، رغم رمزيته السياسية وحجم المشاركة الدولية فيه، لم يكن كافياً لإعادة التوازن داخل الشراكة الأطلسية، بل كشف حجم الفجوة المتزايدة بين خطاب التعاون الغربي وممارسة القوة على الأرض".
وأعلن، الجمعة، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن "أكثر من اثنتي عشرة دولة" عرضت المساهمة في مهمة متعددة الجنسيات "سلمية ودفاعية" بقيادة لندن وباريس لتأمين مضيق هرمز، على أن يتم نشرها "بمجرد أن تتهيأ الظروف".
وأضاف في بيان صدر عقب قمة في باريس جمعت نحو ثلاثين دولة حضوريا وعبر الفيديو، أن العمل سيستمر على "التخطيط العسكري" لهذه القوة في اجتماع "في لندن الأسبوع المقبل، سنعلن خلاله المزيد من التفاصيل حول تركيبتها".
ولفتت توكيه إلي أن هذه التطورات تشير إلى أن الشراكة الأطلسية لم تعد تعمل وفق قواعدها التقليدية، بل تدخل مرحلة إعادة تعريف صامتة لموازين القوة داخلها.
وتابعت: "بينما تتجه الولايات المتحدة نحو مزيد من الانفراد في إدارة الأزمات، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار صعب إما تطوير استقلال استراتيجي فعلي، وإما القبول بدور الشريك المحدود في نظام دولي تعاد صياغته من جديد".
نحو شراكة أقل توازناً
جاءت تصريحات ترامب لتضع المبادرة الأوروبية في موقف حرج، بعد أن اختتم اجتماع باريس، بحسب صحيفة "لوفيغارو".
وأضافت الصحيفة الفرنسية أن الرد الأمريكي لم يكتفِ برفض المشاركة، بل حمل نبرة تقليل من جدوى الحلفاء أنفسهم، في إشارة إلى تحول واضح نحو مقاربة تقوم على إدارة الأزمات بشكل منفرد، بعيداً عن الأطر متعددة الأطراف التي طالما شكلت أساس النظام الغربي بعد الحرب العالمية الثانية.
واعتبرت أن هذه الواقعة تظهر مجدداً محدودية الدور الأوروبي في القضايا الأمنية الكبرى، رغم محاولات باريس ولندن تقديم أنفسهما كطرفين فاعلين في صياغة الاستقرار الإقليمي.
وأشارت إلى أن المبادرة التي جمعت هذا العدد من الدول تعكس رغبة أوروبية في إثبات الحضور، مؤكدة أن أزمة هرمز "تكشف عن اختلال متزايد في ميزان العلاقة بين ضفتي الأطلسي، حيث تجد أوروبا نفسها في موقع المتلقي أكثر من كونها شريكاً في صنع القرار".
وبينما تحاول العواصم الأوروبية الحفاظ على نموذج الشراكة التقليدي، تتجه واشنطن نحو مقاربة أكثر براغماتية، تعيد تعريف التحالفات وفق منطق الفاعلية المباشرة لا الالتزام الجماعي.