ما الذي يتطلبه إعادة السفن إلى الإبحار عبر مضيق هرمز؟
في خضم التوترات المتصاعدة في الخليج، يظل مضيق هرمز محورًا رئيسيًا في معادلات الأمن البحري والطاقة العالمية، حيث تتقاطع فيه الحسابات السياسية والعسكرية مع المصالح الاقتصادية الدولية.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الأخير من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما تلاه من حديث عن إعادة فتح المضيق أمام الملاحة، فإن الواقع على الأرض يشير إلى أن حركة السفن لم تعد إلى طبيعتها، وأن المخاطر لا تزال تحكم المشهد البحري أكثر من أي وقت مضى.
وبعد ساعات من الإعلان عن الهدنة، سادت حالة من التفاؤل في الأوساط البحرية الدولية، حيث توقع كثيرون أن تعود السفن التجارية إلى المرور عبر المضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم. غير أن هذه التوقعات لم تتحقق، إذ بقيت حركة الملاحة محدودة للغاية في اليوم التالي، واقتصرت على عدد قليل من السفن، معظمها مرتبط بإيران أو ضمن ترتيبات خاصة.
وأما بقية السفن التجارية التي كانت تنتظر في مياه الخليج، فقد فضّلت البقاء في مواقعها، في إشارة واضحة إلى استمرار المخاوف الأمنية.
وبعد وقت قصير من الهدنة، أعلنت طهران أن المضيق سيُعامل فعليًا كممر “مقيد” بسبب التطورات العسكرية المرتبطة بالهجمات الإسرائيلية على لبنان، ما أعاد حالة الضبابية إلى الواجهة. لكن المفارقة الأساسية التي يشير إليها خبراء الملاحة هي أن المضيق لم يُغلق فعليًا في أي لحظة، إذ لم يتم منع السفن ماديًا من العبور، بل إن العائق الحقيقي يتمثل في تصاعد المخاطر الأمنية والتهديدات غير المباشرة، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في عدد السفن العابرة من نحو 130 سفينة يوميًا إلى عدد محدود جدًا.
ويعكس هذا التحول حقيقة أساسية في الاقتصاد البحري الدولي، وهي أن حركة الشحن لا تتوقف فقط بقرار سياسي أو إعلان رسمي، بل تتأثر أساسًا بمستوى المخاطر المدركة من قبل الشركات المشغلة والقباطنة. فالسفن اليوم لا تُمنع من المرور بقدر ما يتم “ردعها” عبر التهديدات والهجمات السابقة أو المحتملة، وهو ما يجعل القرار التجاري بالعبور قرارًا عالي الحساسية يرتبط مباشرة بتقييمات الأمن البحري.
وفي هذا السياق، زاد إعلان وقف إطلاق النار من حالة الغموض بدل أن يبددها، حيث قدّمت واشنطن رواية تؤكد أن المضيق مفتوح وأن الوضع في طريقه إلى الاستقرار، بينما اتسمت مواقف طهران بقدر كبير من الغموض، مع إشارات إلى ضرورة إبلاغ السلطات الإيرانية قبل المرور، وهو ما فُهم في بعض الأوساط على أنه محاولة لفرض شكل من أشكال التنظيم أو حتى الرسوم غير المباشرة على حركة الملاحة.
وينعكس هذا التضارب في الرسائل السياسية مباشرة على قطاع الشحن العالمي، الذي لا يتحرك بناءً على التصريحات، بل على أساس المعطيات الميدانية المؤكدة. فشركات النقل البحري لا تتخذ قراراتها في بيئة سياسية متقلبة، خاصة عندما تشير التجربة القريبة إلى أن الهدوء قد يكون مؤقتًا، وأن التصعيد قد يعود في أي لحظة.
ويرى محللون أن إعادة تشغيل الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز تتطلب مرحلتين أساسيتين. المرحلة الأولى تتمثل في خفض فعلي لمستوى التهديد، سواء عبر تفاهمات سياسية أو إجراءات عسكرية أو مزيج من الاثنين، بحيث يتم تقليص قدرة الأطراف على استهداف السفن التجارية أو تقليل رغبتها في ذلك.
وأما المرحلة الثانية، فهي إعادة بناء الثقة، وهي عملية أكثر تعقيدًا وطولًا، لأن الثقة في الممرات البحرية لا تُستعاد بسرعة حتى بعد توقف الهجمات.
وفي هذا الإطار، يُطرح خيار المرافقة البحرية للسفن التجارية كأحد الأدوات الممكنة لإعادة الطمأنة. إذ إن وجود قطع بحرية دولية ترافق السفن في المراحل الأولى من استئناف الملاحة يمكن أن يرسل رسالة قوية إلى الأسواق والشركات بأن المخاطر في طريقها للانخفاض. إلا أن غياب خطوات واضحة من هذا النوع حتى الآن من قبل الولايات المتحدة أو القوى البحرية الكبرى ساهم في استمرار حالة التردد.
كما أن عدم اتخاذ خطوات استعراضية من قبل واشنطن، مثل مرافقة السفن الأميركية فورًا بعد وقف إطلاق النار، ساهم في ترك فراغ استغلته بعض الأطراف الإقليمية لتعزيز روايتها حول ضرورة الحصول على موافقات أو إشراف قبل العبور، وهو ما زاد من تعقيد المشهد بدل تبسيطه.
سبق أن تم اعتماد نموذج مشابه عام 2019 عبر “التحالف الدولي لأمن الملاحة البحرية”، الذي ركّز على الشفافية والتنسيق بدل الانتشار العسكري الواسع، وهو نموذج قد يكون مرجعًا في المرحلة الحالية مع إدخال تحسينات عليه.
وتبرز أهمية التنسيق الدولي في هذا السياق، حيث يرى خبراء أن أي آلية فعالة يجب أن تتجاوز الجهود الأحادية لتشمل تحالفًا دوليًا واسعًا يوفر المراقبة وتبادل المعلومات والاستجابة السريعة لأي تهديدات محتملة.
وقد سبق أن تم اعتماد نموذج مشابه عام 2019 عبر “التحالف الدولي لأمن الملاحة البحرية”، الذي ركّز على الشفافية والتنسيق بدل الانتشار العسكري الواسع، وهو نموذج قد يكون مرجعًا في المرحلة الحالية مع إدخال تحسينات عليه.
لكن التحدي لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى الجانب القانوني أيضًا. فمضيق هرمز يُصنف وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار كمضيق دولي يخضع لنظام “المرور العابر”، ما يعني أن السفن تتمتع بحق المرور دون قيود أو رسوم إلزامية.
وبالتالي فإن أي محاولة لفرض رسوم أو شروط إضافية على العبور تمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي، وقد تفتح الباب أمام أزمة أوسع تتجاوز المنطقة لتطال النظام البحري العالمي بأكمله.
ورغم ذلك، تشير بعض التقارير إلى أن إيران بدأت باختبار حدود هذا الإطار القانوني، عبر اتصالات لاسلكية مع السفن تطلب فيها إشعارات مسبقة أو تنسيقًا قبل العبور.
ورغم أن هذه الخطوات لا ترقى إلى مستوى الإغلاق الرسمي أو فرض رسوم مباشرة، إلا أنها تُفسَّر على أنها محاولة تدريجية لفرض نفوذ أكبر على الممر الحيوي.
وفي المقابل، يحذر خبراء من أن السماح بترسيخ مثل هذه الممارسات، حتى بشكل غير رسمي، قد يؤدي إلى سابقة خطيرة في الممرات المائية الدولية، ويقوض أحد أهم المبادئ في التجارة العالمية وهو حرية الملاحة.
وأما في ما يتعلق بالمخاطر الأمنية، فلا تزال المخاوف قائمة بشأن احتمال وجود ألغام بحرية أو تهديدات غير معلنة في محيط المضيق، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من الضروري إصدار تقييمات دولية شفافة حول طبيعة المخاطر الفعلية، لتقليل حالة الغموض التي تؤثر مباشرة على قرارات شركات الشحن.
ولا يمكن القول إن مضيق هرمز مغلق أو مفتوح بشكل قاطع، بل إن وضعه الحالي يعكس حالة “تعليق عملي” للملاحة نتيجة المخاطر الأمنية والسياسية. فعودة السفن لن تتحقق عبر التصريحات أو الإعلانات السياسية، بل عبر توافر شروط أمنية واضحة، وهدوء مستدام، وضمانات دولية موثوقة.
وإلى أن تتحقق هذه الشروط، ستبقى السفن مترددة، وستظل حركة الملاحة في المضيق رهينة التوازن الهش بين الردع والطمأنة، وبين السياسة والقانون، وبين الحرب والسلام المؤجل.