النفط تحت النار: من يتحمل الكلفة الحقيقية للحرب مع إيران؟
لم يعد النفط مجرد سلعة استراتيجية تتأثر بالحروب، بل أصبح في خضم الصراع الدائر مع إيران القطاع الذي يدفع فاتورة الحرب بشكل مباشر وفوري. فمنذ اندلاع المواجهة، تحولت أسواق الطاقة إلى مرآة حساسة تعكس كل تطور ميداني أو دبلوماسي، حيث تقفز الأسعار أو تتراجع خلال ساعات، في استجابة تكاد تكون آنية لنبض الجغرافيا السياسية.
هذا التحول لا يعكس فقط أهمية النفط في الاقتصاد العالمي، بل يكشف عن هشاشة النظام الطاقي الدولي، الذي ما زال، رغم كل الحديث عن الانتقال إلى الطاقة النظيفة، رهينة لممرات ضيقة ومناطق ملتهبة، في مقدمتها الخليج العربي ومضيق هرمز.
خلف هذه التقلبات السريعة، تتشكل ديناميكيات أعمق وأكثر خطورة: سوق طاقة يفقد أدوات توازنه التقليدية، ودور عربي يتراجع في ضبط الإيقاع، ودول فقيرة تجد نفسها أمام فواتير لم تكن في الحسبان. هكذا، لا تعيد الحرب رسم خرائط النفوذ فقط، بل تعيد أيضًا توزيع الأعباء الاقتصادية على نحو غير متكافئ، يجعل من النفط مرآة للصراع… وفاتورته الأكثر قسوة.
وأظهرت الأسابيع الأخيرة أن سوق النفط لم يعد يتفاعل مع أساسيات العرض والطلب التقليدية بقدر ما يتفاعل مع توقعات الخطر. فمجرد الحديث عن إغلاق محتمل لمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة معتبرة من الإمدادات العالمية، كان كفيلا بدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة، قبل أن تعود وتنخفض مع أي إشارات تهدئة.
هذا السلوك يعكس ما يمكن تسميته بـ”تسييس التسعير”، حيث أصبحت البراميل تُسعّر وفق احتمالات التصعيد، لا وفق الكلفة أو الإنتاج. وهو ما يجعل السوق أكثر تقلبا وأقل قابلية للتنبؤ، ويضع الحكومات والشركات أمام معادلة معقدة في التخطيط.
ما بعد الحرب أخطر من الحرب
أرقام ودلالات:
• 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعله نقطة اختناق حاسمة
• الأسعار تجاوزت مستويات 100 دولار للبرميل قبل أن تتذبذب مع إشارات التهدئة
• تضرر أكثر من 40 منشأة طاقة، ما يهدد الإمدادات على المدى المتوسط
• العديد من الدول النامية بنت موازناتها على سعر يتراوح بين 60 و80 دولارا للبرميل
• كل ارتفاع بـ10 دولارات يضيف أعباء على الدول المستوردة ويضغط على أسعار الغذاء والنقل
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في التقلبات اللحظية، بل في الضرر الهيكلي الذي أصاب البنية التحتية للطاقة. فقد أدى استهداف منشآت نفطية وخطوط إمداد إلى تقليص فعلي في القدرة الإنتاجية، وهو ما يعني أن عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب لن تكون سريعة، حتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
هذا النوع من الضرر يخلق ما يشبه “أرضية سعرية مرتفعة”، حيث تبقى الأسعار مدعومة بعوامل نقص العرض، بغض النظر عن تراجع التوترات. وهو سيناريو يذكر بأسواق الطاقة في سبعينات القرن الماضي، حين تحولت الأزمات السياسية إلى صدمات اقتصادية طويلة الأمد.
في خضم هذه الفوضى، يبرز عامل لا يقل أهمية: تراجع الدور العربي كقوة موازنة في سوق النفط. ففي أزمات سابقة، كانت الدول العربية المنتجة، خصوصا في الخليج، تلعب دور “المنتج المرجّح” القادر على زيادة أو خفض الإنتاج لتهدئة الأسواق.
اليوم، يبدو هذا الدور أكثر محدودية لعدة أسباب. أولها أن بعض هذه الدول بات جزءا من الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يقلص هامش المناورة لديها. وثانيها أن القدرات الفائضة نفسها لم تعد كما كانت، نتيجة سنوات من إدارة الإنتاج بحذر في إطار تحالفات مثل “أوبك+”.
أما العامل الثالث، فهو أن البنية الجيوسياسية الجديدة للمنطقة لم تعد تسمح بسهولة باستخدام النفط كأداة توازن، في ظل تشابك المصالح الدولية وتصاعد المخاطر الأمنية.
هذا التراجع يعني ببساطة أن السوق فقد أحد أهم “صمامات الأمان”، وهو ما يفسر جزئيا حدة التقلبات الحالية، ويزيد من احتمالات بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
من الرابح ومن الخاسر؟
في الظاهر، قد يبدو أن ارتفاع الأسعار يصب في مصلحة الدول المنتجة للنفط، التي تحقق عائدات إضافية تعزز موازناتها. لكن هذه الصورة تخفي تعقيدات أكبر.
فحتى الدول المنتجة تواجه تحديات، منها ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ومخاطر استهداف البنية التحتية، فضلا عن الضغوط السياسية من الدول المستهلكة الكبرى لزيادة الإنتاج وخفض الأسعار.
في المقابل، تبدو الدول المستوردة، خاصة في آسيا وأفريقيا، الأكثر تضررا. فهذه الدول تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، ولا تمتلك هوامش مالية كافية لامتصاص الصدمات.
الضحية الأكبر لهذه المعادلة هي الدول الفقيرة والنامية، التي بنت موازناتها على أساس سعر نفط يتراوح بين 60 و80 دولارا للبرميل. ومع تجاوز الأسعار لهذه المستويات، تجد هذه الدول نفسها أمام فجوة مالية متسعة.
هذه الفجوة لا تعني فقط زيادة في عجز الميزانية، بل تمتد إلى مستويات أعمق، تشمل: ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وزيادة أسعار الغذاء (بسبب ارتباطها بالطاقة)، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وتصاعد الضغوط الاجتماعية والسياسية.
وفي بعض الحالات، قد تضطر الحكومات إلى تقليص الدعم أو زيادة الضرائب، ما يفاقم من حدة التوتر الداخلي.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد المخاوف من دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود تضخمي، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي في الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار.
هذا السيناريو يمثل كابوسا للبنوك المركزية، التي تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، ما يضر بالنمو، أو دعم الاقتصاد على حساب استقرار الأسعار.
وفي كلتا الحالتين، تكون النتيجة مزيدا من الضغوط على الأسواق الناشئة، التي تعتمد على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، والتي قد تتراجع في ظل بيئة مالية أكثر تشددا.
في المدى المتوسط، قد تؤدي هذه الحرب إلى إعادة تشكيل خارطة الطاقة العالمية. فمن المتوقع أن تسعى الدول المستهلكة إلى تنويع مصادرها، وتقليل الاعتماد على مناطق النزاع، من خلال زيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتعزيز مخزونات الطوارئ، والبحث عن موردين جدد خارج الشرق الأوسط.
لكن هذه التحولات تحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة، ما يعني أن العالم سيظل، في المستقبل القريب، عرضة لصدمات مماثلة.
النفط كفاتورة مفتوحة
يمكن القول إن النفط لم يعد مجرد متغير في معادلة الحرب، بل أصبح فاتورتها المفتوحة التي يدفعها العالم يوميا. فكل صاروخ يُطلق، وكل منشأة تُستهدف، يترجم مباشرة إلى دولارات إضافية في سعر البرميل، وإلى أعباء جديدة على الاقتصادات.
قد تنتهي الحروب باتفاقات على الطاولة، أو بهدنة تفرضها موازين القوى، لكن آثارها الاقتصادية نادرًا ما تنطفئ بالسرعة نفسها. وفي الحالة الراهنة، يبدو النفط مرشحًا لأن يكون الوعاء الذي يحتفظ بذاكرة الحرب، حتى بعد توقف المدافع. فالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، والتشوهات التي أصابت سلاسل الإمداد، وحالة عدم اليقين التي ترسخت في الأسواق، كلها عوامل تُبقي الأسعار تحت ضغط مستمر، وتُطيل عمر الصدمة.
بهذا المعنى، لا يدفع العالم كلفة الحرب دفعة واحدة، بل على أقساط يومية تُحتسب في سعر كل برميل، وفي فاتورة كل دولة مستوردة، وفي قدرة كل اقتصاد هش على الصمود. وقد لا يكون الأخطر هو الارتفاع المؤقت للأسعار، بل تحول التقلب إلى حالة دائمة، وفقدان السوق لآليات التوازن التي كانت تخفف من حدة الصدمات.
هكذا، حتى لو انتهت الحرب سياسيًا، فإنها ستستمر اقتصاديًا عبر النفط، الذي يتحول من مجرد مورد للطاقة إلى فاتورة مفتوحة، تعيد توزيع الخسائر عالميًا، وتكشف مرة أخرى أن استقرار الاقتصاد الدولي لا يزال معلقًا بخيط رفيع يمر من مناطق النزاع.
والخلاصة أن النفط لم يعد مجرد متغير اقتصادي، بل أصبح أداة نقل فوري لصدمة الحرب إلى الاقتصاد العالمي، مع تداعيات أشد وطأة على الدول الهشة.