طفرة جينية تسبب الصرع المقاوم للأدوية
في دراسة قام بها باحثون تبين أن طفرة في جين “فوكس جي3” مسؤولة عن حالات الصرع البؤري للأدوية. والطفرات في جين “فوكس جي3” هي بمثابة فشل “المفتاح الرئيسي”، ما يعطل عملية بناء الدماغ لطبقاته ويؤدي إلى خلل التنسج القشري البؤري، وهو السبب الرئيسي للصرع المقاوم للأدوية. وتكشف الدراسة التي نُشرت في مجلة “نيتشر كمينيكيشن” كيف يتحكم “فوكس جي3” في تكوين الطبقات القشرية للدماغ أثناء نمو الدماغ من خلال تنظيم مسار إشارات “بتان – أم تور”.
ويعمل مسار إشارات “بتان – أم تور” كنظام تحكم حاسم لنمو الخلايا، وانتشارها، والتمثيل الغذائي، والبقاء على قيد الحياة. وعندما يتعطل هذا النظام يسبب العديد من الاضطرابات العصبية، بما في ذلك التنسج القشري البؤري والتصلب الحدبي المعقد والورم الليفي العصبي.
واكتشاف “فوكس جي3” ، وهو عامل النسخ (بروتين ينظم نشاط الجينات)، كسبب جديد لمسار الأمراض العصبية يوفر رؤية جديدة للأصول البيولوجية للصرع والتشوهات القشرية، بالإضافة إلى علاجات جديدة محتملة.
وبدأ البحث من خلال التشخيص الوراثي الذي أجراه الدكتور يو-تسين ليو لعائلة تعاني من الصرع المقاوم للأدوية في قسم الصرع، بمستشفى تايبيه العام للمحاربين القدامى في تايوان.
سانجاي إم سيسوديا: اكتشاف آلية وراثية محددة تكمن وراء الإصابة بالصرع لدى الفرد له أهمية كبيرة على المستويين الشخصي والعلمي
ويجمع فريق البحث، بقيادة باحثين ضمن جامعة نيويورك في تايوان بالتعاون الوثيق مع الأطباء وعلماء الوراثة في جامعة كوليدج لندن وشركاء في بلجيكا، بين علم الوراثة البشرية وعلم الأعصاب التنموي المتقدم.
ومن خلال دراسة العائلات التي تعاني من الصرع البؤري الوراثي إلى جانب تحليل الخلايا، كشف الفريق كيف تعطل طفرات “فوكس جي3” عملية انتقال خلايا الدماغ إلى مواقعها الصحيحة والقيام بأدوارها المناسبة أثناء نمو الدماغ المبكر.
وقال الدكتور جين وو تساي، المؤلف والأستاذ المتميز في جامعة نيويورك، “يعد خلل التنسج القشري البؤري أحد الأسباب الأكثر شيوعًا للصرع الذي لا يستجيب للأدوية، ومع ذلك يظل السبب الأساسي غير معروف لدى العديد من المرضى”. وأضاف أن النتائج التي توصلوا إليها تحدد “فوكس جي3” باعتباره الرابط الجيني والجزيئي الحاسم بين نمو الدماغ غير الطبيعي والصرع.
أثناء نمو الدماغ الطبيعي يتم إنشاء الخلايا العصبية في تسلسل دقيق من الداخل إلى الخارج لتشكيل الطبقات الست من القشرة الدماغية. وتظهر الدراسة أن “فوكس جي3” نشط للغاية في الخلايا السلفية العصبية (الخلايا التي تنتج الخلايا العصبية) خلال المراحل المبكرة من تكوين القشرة الدماغية وينخفض عند التحول الرئيسي. وعندما تتعطل وظيفة “فوكس جي3” تفشل الخلايا العصبية في الهجرة بشكل صحيح وينتهي بها الأمر في طبقات قشرية غير صحيحة.
من الناحية الميكانيكية أثبت الباحثون أن “فوكس جي3” ينظم بشكل مباشر “بتان”، وهو مثبط معروف لمسار “أم تور”، والذي كان متسببا بقوة في الصرع والتشوهات القشرية. وتفشل متغيرات “فوكس جي3” المرتبطة بالمرض في تنشيط “بتان”، مما يؤدي إلى الإفراط في إشارات “أم تور” وخلايا عصبية متضخمة ذات شكل غير طبيعي، وهي سمات مميزة تظهر في أنسجة دماغ مريض التنسج القشري البؤري.
والأهم من ذلك أن استعادة نشاط “بتان” كانت كافية لإنقاذ العيوب القشرية في النماذج التجريبية، وتحديد محور “فوكس جي3” – “بتان” كمسار مركزي في التطور القشري.
وتعكس الدراسة شراكة وثيقة بين العلماء الأساسيين والأطباء عبر القارات، ودمج علم الوراثة للمرضى من تايوان والمملكة المتحدة مع الدراسات الآلية في الأنظمة الحيوانية والخلية الواحدة.
ولا يزال النوع الثاني من التنسج القشري البؤري هو السبب الأكثر شيوعًا للصرع المقاوم للأدوية، حتى لدى المرضى الذين تبدو فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي لديهم طبيعية. وكان الدعم التعاوني من “علم الجينوم” بإنجلترا ومعهد علم الأعصاب لا غنى عنه لتحديد دور “فوكس جي3″ في تطور الصرع عبر المجموعات العرقية المختلفة،” وفق ما قاله الدكتور يو تسن ليو، المؤلف المشارك ومدير قسم الصرع، بمعهد الأعصاب، في مستشفى تايبيه العام للمحاربين القدامى.
وبعيدًا عن تحديد سبب وراثي جديد للصرع، فإن النتائج تعزز الفهم الأساسي لكيفية تحكم الجينات في ماهية خلايا الدماغ وأين تذهب أثناء التطور. سريريًا، قد يؤدي هذا العمل إلى تحسين التشخيص الجيني للمرضى الذين يعانون من الصرع البؤري، وخاصة أولئك الذين لديهم تصوير بالرنين المغناطيسي الطبيعي للدماغ، ويساعد في توجيه العلاجات الدقيقة المستقبلية التي تستهدف مسار “أم تور”.
وبما أن الصرع يؤثر على أكثر من 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، ونسبة كبيرة منه مقاومة للعلاجات الحالية، فإن الكشف عن جذوره الوراثية له آثار مجتمعية مهمة.
وقال المؤلف المشارك الدكتور سانجاي إم سيسوديا، الأستاذ في قسم الصرع السريري والتجريبي في معهد كوين سكوير لطب الأعصاب في المملكة المتحدة، “إن اكتشاف آلية وراثية محددة تكمن وراء الإصابة بالصرع لدى الفرد له أهمية كبيرة على المستويين الشخصي والعلمي”.
وأضاف أنه بالنسبة إلى الفرد وأسرته، فإن معرفة سبب الصرع في حد ذاته يمكن أن يجلب الراحة، ويخفف من الشعور بالذنب، وينهي ملحمة تشخيصية، على الرغم من أنه ربما يبدأ أيضًا رحلة أخرى. وقد تكون النتيجة ذات قيمة للاستشارات الوراثية وتنظيم الأسرة.
وتابع “الأهم من ذلك، أن هذا الاكتشاف يفتح الطريق أمام الاستكشاف العلمي للآليات القابلة للتعديل -سواء تعلق الامر باختيار الأدوية أو بإعادة استخدام العلاجات الحالية، أو باختراع نهج علاجي جديد بما في ذلك، على سبيل المثال، العلاجات القائمة على الجينات. وهذا الاكتشاف هو بداية الإدارة العقلانية التي تهدف إلى السيطرة على الحالة بشكل أفضل”.
الاكتشاف يفتح الطريق أمام الاستكشاف العلمي للآليات القابلة للتعديل، سواء تعلق الأمر باختيار الأدوية أو بإعادة استخدام العلاجات الحالية
والصرع البؤري هو مرض عصبي ينشأ في منطقة واحدة فقط من الدماغ، وغالباً ما يؤثر في نصف الدماغ. ويسمى الصرع البؤري بالصرع الجزئي أيضاً.
ويعاني 60 في المئة من مرضى الصرع من الصرع البؤري، وتختلف أعراض الصرع البؤري وفقاً للمنطقة التي يؤثر فيها عادةً.
وقد يبقى المريض واعياً خلال نوبة الصرع البؤري، لكنه يمر بتغيرات حركية، أو نفسية، أو حسية، أو مشاعر قد تتخذ عدة أشكال.
وبسبب النوبة قد يشعر المريض بالغضب المفاجئ أو الحزن أو الفرح دون سبب محدد، أو قد يشم أو يسمع أو يشعر بطعم أشياء غير موجودة، وقد يشعر بالحركة في جزء واحد فقط من الجسم مثل يده.
وفي أحيان أخرى يفقد المريض الوعي خلال النوبة، وقد يمر بتجربة تشبه الحلم. كما قد تظهر على المريض حركات متكررة، فقد يرمش بعينيه، أو يحرك فمه كأنه يمضغ أو يبلع، وقد يقوم بحركات أخرى أيضاً لكنها جميعاً تكون لاإرادية.