العالم أمام تحدٍ جديد.. حرب إيران تهدد الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد

وكالة أنباء حضرموت

تزايدت المخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي واستقرار الأسواق في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة عقب اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

يأتي ذلك في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل البحري والطاقة، بسبب موقع إيران على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يهدد حركة الشحن ويرفع علاوات التأمين على السفن.

كما أن الارتفاع المتوقع في أسعار النفط يزيد تكلفة وقود السفن، حيث تتجنب بعض الشركات المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يطيل زمن الرحلات ويرفع تكلفة نقل السلع الأساسية، بما فيها الغذاء.

مضيق هرمز وقناة السويس
تمثل قناة السويس شرياناً حيوياً للتجارة الدولية، إذ يمر عبرها نحو 10% من التجارة البحرية العالمية و22% من تجارة الحاويات سنوياً، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد).

وأي تراجع في حركة السفن عبر القناة ينعكس مباشرة على سرعة وصول البضائع وتكلفة نقلها، ما قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية على أسعار السلع في الدول المستوردة. وتتزايد المخاوف من احتمال اتساع نطاق التوتر ليشمل البحر الأحمر، خاصة مع احتمال استهداف سفن تجارية، ما قد يعيد سيناريو اضطرابات الملاحة التي شهدتها المنطقة خلال حرب غزة.

ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يقارب 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، بحسب وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

ويبلغ طول المضيق نحو 161 كيلومتراً، بينما لا تتجاوز ممرات الملاحة في كل اتجاه ميلين، ما يجعل السفن عرضة للمخاطر الأمنية مثل الألغام أو الصواريخ الساحلية أو عمليات الاعتراض.

قفزة في تكاليف الشحن والتأمين
تشير بيانات مجموعة بورصات لندن، إلى أن تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لنقل مليوني برميل من الشرق الأوسط إلى الصين تجاوزت 200 ألف دولار يومياً للمرة الأولى منذ عام 2020، في حين ارتفعت تكلفة الشحن القياسي إلى 206141 دولار في اليوم وفق مقياس "ورلد سكيل"، وهو أعلى مستوى منذ أبريل/نيسان 2020.

ويعكس ذلك إدراج علاوة المخاطر الجيوسياسية ضمن تكاليف النقل، التي تحتسب كنسبة من قيمة السفينة وفقاً لنوعها ومسارها ومدة الرحلة والارتباطات بالعقوبات.

انعكاسات مباشرة على أسعار الغذاء
ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة يؤدي عادة إلى زيادة أسعار السلع الغذائية عالمياً، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد، نتيجة ارتفاع تكلفة نقل الحبوب والزيوت والسكر وتأخر وصول الشحنات، ما يضع الحكومات أمام تحدي إدارة المخزون الاستراتيجي وضمان استمرارية الإمدادات، مع ضرورة تنويع مصادر الاستيراد وتفعيل خطط الطوارئ لتجنب نقص المعروض أو ارتفاع الأسعار.

الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده، أكد أن التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، بدءاً من الحرب في غزة والتوترات مع إيران، وصولاً إلى اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب، حيث فرضت على الدول العربية ضرورة ملحة للاعتماد على علم "الدراسات المستقبلية" لضمان أمنها الغذائي والاقتصادي.

النفط يقفز 7% مع تصاعد حرب إيران وتهديدات هرمز
وأوضح عبده لـ"العين الإخبارية"، أن التعامل مع الأزمات الحالية يتطلب وضع سيناريوهات متعددة (الوضع الحالي، والوضع الأسوأ، والوضع المتحسن)، محذراً من أن المؤشرات الحالية والتحركات الأمريكية في المنطقة تنذر باحتماليات عالية لاستمرار وتوسع رقعة الصراع لفترات طويلة.

ضمان الأمن الغذائي
وقال إن ضمان الأمن الغذائي يرتكز على محورين أساسيين؛ أولهما تكوين احتياطيات استراتيجية ضخمة من السلع الغذائية الأساسية تكفي لمدد زمنية طويلة تحسباً لإطالة أمد الحرب. والثاني، تشكيل "خلية أزمة" دائمة تتكون من نخبة من العقول المفكرة لوضع خطط استباقية (قصيرة، متوسطة، وطويلة الأجل) للتعامل مع أي تداعيات اقتصادية وسياسية، بحيث لا تتفاجأ الدول بوقوع الأزمات بل تكون مستعدة لها مسبقاً.

كما شدد على أهمية تكوين "مخصصات مالية للطوارئ" للتعامل مع أي تسويات أو التزامات مالية قد تفرض على الدول نتيجة الأوضاع الإقليمية، بحيث لا يتأثر الاقتصاد الداخلي بأي صدمات مفاجئة.

واستشهد عبده بالتجربة الإماراتية في التخطيط المستقبلي، مشيداً بالقمة العالمية للحكومات التي تعقدها الإمارات سنوياً لتبادل الخبرات، وخططها الاستراتيجية التي تمتد لسنوات طويلة، مثل خطة 2071، واعتمادها على العقول والكفاءات من أفضل جامعات العالم، ما يجعلها بمنأى عن التأثر المفاجئ بالأزمات العالمية.

وفيما يخص توتر الملاحة في مضيق "باب المندب" بسبب هجمات الحوثيين، أكد أنه ينعكس بشكل مباشر وخطير على الاقتصاديات المحلية والعالمية، فاضطرار السفن لتغيير مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح يؤدي إلى تأخر وصول البضائع، ونقص المعروض، وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، ما يؤدي في النهاية إلى "تضخم مستورد" وارتفاع جنوني في أسعار السلع يثقل كاهل الدول المستوردة، خاصة في قارة أفريقيا.

وأشار إلى أن استمرار التصعيد العسكري قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في تكاليف النقل والتأمين، ما ينعكس على أسعار الغذاء والتضخم العالمي، وفي حال احتواء التوترات وعودة الملاحة إلى مساراتها الطبيعية قد يخف الضغوط على سلاسل الإمداد ويعيد الاستقرار تدريجياً إلى الأسواق.

وفرة السلع الأساسية في الدول العربية
أعلنت ست دول عربية توافر السلع الغذائية الأساسية في أسواقها بكميات كافية، مؤكدة انتظام سلاسل التوريد وعدم تأثر الإمدادات بالتصعيد العسكري في المنطقة على خلفية الحرب على إيران، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارات الاقتصاد والتجارة والصناعة والتموين في قطر والإمارات والكويت والعراق والأردن ومصر.

أكدت وزارة الاقتصاد الإماراتية، أن المخزون الاستراتيجي يتمتع بكفاءة عالية ويضمن التزويد المستمر على المدى الطويل، مؤكدة عدم وجود مؤشرات على اضطرابات في حركة الاستيراد أو التوريد.

وأعلنت وزارة التجارة العراقية، توفر مخزون استراتيجي من الحبوب يكفي لمدة عام كامل، بجانب مواد غذائية تكفي لأكثر من ستة أشهر، مع استمرار عمليات التوريد عبر الطرق البرية لضمان انسيابية تدفق السلع واستقرار الأسعار.

وأكدت وزارة التجارة والصناعة القطرية، توفر السلع في مختلف منافذ البيع بصورة منتظمة، داعية المستهلكين إلى الشراء وفق الحاجة وتجنب التخزين المفرط، وشددت على الاعتماد على المصادر الرسمية وتفادي الشائعات، مشيرة إلى تكثيف الحملات التفتيشية على الأسواق لضمان التزام الموردين وتوافر السلع.

وأوضحت وزارة التجارة والصناعة الكويتية، أن المخزون الغذائي في وضع طبيعي وكاف، مع استمرار سلاسل التوريد دون انقطاع وتنفيذ خطط الطوارئ لضمان الأمن الغذائي. وأصدرت قراراً بحظر تصدير جميع السلع الغذائية إلا بموافقة مسبقة، إلى جانب تثبيت أسعار البيع عند مستويات ما قبل 28 فبراير/شباط، مع فرض عقوبات على المخالفين.

أكدت وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية، أن المخزون الغذائي آمن ويغطي احتياجات السوق لفترات مريحة، مشيراً إلى متابعة يومية لمستويات المخزون وخطط جاهزة للتعامل مع أي تطورات إقليمية. أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية، توافر مخزون آمن من السلع الأساسية يكفي لعدة أشهر، مع استمرار ضخ المنتجات ومراقبة الأسعار، ومنع أي ممارسات احتكارية.