برلين: مئة ألف يهتفون «لا شاه ولا ملا»

برلين تحت الثلج: 100 ألف متظاهر يهتفون «لا شاه ولا ملا» دعماً لانتفاضة إيران

وكالة أنباء حضرموت

 رغم وخامة الطقس وشدة البرد وتساقط الثلوج وما رافقه من إلغاء رحلات وصعوبات في التنقّل، وصل مشاركون من مدنٍ ودولٍ مختلفة إلى برلين عبر مسارات بديلة شملت الحافلات والقطارات وحتى السفر البحري، للمشاركة في التظاهرة الكبرى التي نُظّمت عند بوابة براندنبورغ يوم 7 فبراير/شباط 2026. وقال منظمو التحرك إن الإصرار على الحضور وسط هذه الظروف هدفه إيصال رسالة بأن التضامن مع الانتفاضة داخل إيران لا يتوقف أمام العوائق اللوجستية ولا أمام تقلبات الطقس.
وأعلنت لجنة تنظيم تظاهرة 7 فبراير/شباط أن نحو 100 ألف شخص شاركوا في التظاهرة بين الساعة 13:00 و16:00، مشيرةً إلى أن آلافًا آخرين تعذّر عليهم الوصول بسبب سوء الأحوال الجوية. ووفق أجواء التجمع، بدا أن الرقم—إضافة إلى مشاهد تدفق الحشود—أصبح عنواناً أساسياً في التغطية السياسية للتظاهرة التي رُفعت فيها لافتات وهتافات تؤكد على خيارٍ واحد: رفض الاستبداد بصيغتيه.
في ساحة بوابة براندنبورغ، ارتفع شعار «لا شاه ولا ملا» بوصفه جوهر الرسالة السياسية للتجمع: مرزبنة قاطعة مع ديكتاتورية الملالي ورفض إعادة تدوير الماضي. وأكدت كلمات المنصة أن هذا الشعار ليس مجرد هتاف، بل إعلان اتجاهٍ سياسي يربط دعم الانتفاضة في الداخل برؤية “جمهورية ديمقراطية” تقوم على الانتخابات الحرة وفصل الدين عن الدولة والمساواة وحقوق الإنسان، مع التشديد على أن التغيير يصنعه الشعب ومقاومته المنظمة.
شارل ميشيل: اتساع التضامن ورفض الابتزاز
ومن بين أبرز المتحدثين شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي (2019-2024) ورئيس الوزراء البلجيكي الأسبق (2014-2019)، الذي قال إن التضامن مع الشعب الإيراني “يتسع يوماً بعد يوم”، معتبراً أن الإيرانيين في شوارع إيران وفي أشرف 3 وفي برلين وفي أنحاء العالم يمثلون «مقاومة القرن الحادي والعشرين»، وأنهم يحملون القدرة على تغيير بلدهم. وأضاف موجهاً رسالة مباشرة من قلب برلين: «لستم وحدكم»، مشيراً إلى أن أصواتاً أوروبية ودولية متزايدة باتت تقف إلى جانب مطلب الحرية وحق الإيرانيين في اختيار مستقبلهم وقادتهم.
وتوقف ميشيل عند ما اعتبره منعطفاً في المزاج السياسي الأوروبي، داعياً إلى رفض ابتزاز النظام عبر القمع وخطف الرهائن، ومؤكداً أن الاسترضاء لا يجدي وأن الصمت تواطؤ. كما حذّر من محاولات “سرقة” تطلعات الإيرانيين عبر صناعة دعم زائف على شبكات التواصل، متحدثاً عن سعي “ابن الشاه”—وفق ما قال—إلى فرض نفسه عبر صورة مصطنعة ورعاة وتمويل، ومذكّراً بجرائم التعذيب والقتل في عهد الشاه، قبل أن يخلص إلى أن البديل الحقيقي هو تعبئة الشعب والمقاومة المنظمة والتمسك بالديمقراطية وخطة النقاط العشر كجسر من الطغيان إلى الحرية.
بومبيو: ما يجري ثورة… والبديل ليس فراغاً
بدوره، وجّه مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، رسالة حادّة اللهجة من برلين، قائلاً إن ما يجري في إيران اليوم “ليس احتجاجاً عابراً بل ثورة” ونقطة مفصلية في تاريخ البلاد، لأن الشعب بلغ حدّه مع نظام وصفه بأنه “قاتل وفاسد وعاجز” عن تلبية أبسط الاحتياجات. واعتبر أن حملة القمع الدموية خلال الأسابيع الأخيرة ليست دليلاً على قوة النظام بل اعترافاً بالموت السياسي: ديكتاتورية بلا شرعية شعبية لم يبقَ لها سوى سلاح واحد—زرع الخوف—لكن هذا السلاح، وفق تقديره، سيفشل لأن الإيرانيين سيُثبتون أنهم بلا خوف.
وأكد بومبيو أن انهيار النظام “حتمي بنسبة 100%—اليوم أو غداً أو بعد سنوات”، وأن السؤال الحقيقي هو ما الذي يأتي بعده. وشدد على أن الإيرانيين أعلنوا خيارهم بوضوح: لا حكماً دينياً، لا استبداداً، ولا عودةً إلى نظام الشاه؛ بل جمهورية حرة وديمقراطية تُحاسَب أمام المواطنين. كما هاجم سياسة الاسترضاء واعتبر أن أي صفقة تُبقي هذا النظام في مكانه غير مقبولة لأنها تمحو تضحيات ملايين الإيرانيين وتعيد إنتاج دعاية النظام بأن البديل هو الفوضى، مؤكداً أن “البديل موجود”: مقاومة ديمقراطية منظمة وخارطة طريق انتقال تتضمن انتخابات حرة سريعاً، فصل الدين عن الدولة، مساواة المرأة والرجل، وإيران غير نووية، مع التأكيد على عدم الحاجة إلى جنود أجانب أو أموال خارجية، بل الاعتراف بحق الإيرانيين في إسقاط نظامهم وبحق المقاومة في مواجهة أجهزة القمع وعلى رأسها الحرس الثوري.
مريم رجوي: “العدّ التنازلي” بعد انتفاضة يناير
وفي خطابها أمام الحشود، ربطت السيدة مريم رجوي بين ذكرى الثورة الشعبية ضد ديكتاتورية الشاه ومسار الانتفاضة الأخيرة في يناير، مستهلّةً خطابها بنداء مباشر: «أيها المواطنون! يا أيها الرفاق الثوار المنتفضون في جميع أنحاء الوطن،». ثم أضافت: «لقد اجتمعنا لإحياء ذكرى ثورة الشعب ضد ديكتاتورية الشاه. لكنني سأبدأ أولاً بانتفاضة شهر يناير؛ تلك الانتفاضة التي اصطبغت باللون الأحمر، لكنها بدم كوكبة من الشهداء وآلاف الأرواح العاشقة، وبغضب وهتاف الشعب البطل، هزت إيران والعالم أجمع.».
وفي توصيفها للمرحلة التي أعقبت تلك الانتفاضة، قالت: «الآن، لم يعد أحد في العالم يشك في حتمية سقوط هذا النظام. لسنوات وسنوات كنا ننادي ”الإسقاط.. الإسقاط“، والآن يرى الجميع مقدماته بأعينهم ويسمعون صوت خطاه.». وذهبت إلى خلاصة سياسية مباشرة بقولها: «لقد حان الوقت للاعتراف رسمياً بمقاومة الشعب الإيراني المستمرة منذ 44 عاماً من أجل إسقاط النظام.».
دعم دولي واسع ورسالة واحدة
وبالتوازي مع كلمات المنصة، أشار منظمو التظاهرة إلى صدور بيان مشترك يعلن دعم أكثر من 350 جهة وشخصية دولية للتجمع، من لجان برلمانية واتحادات وجمعيات وبلديات ومجالس محلية ونواب من دول متعددة. ووفق خلاصته، شدد البيان على رمزية انعقاد التظاهرة في ذكرى ثورة 1979 التي “سُرقت”، وعلى أن شعار «لا شاه ولا ملا» يرفض الدكتاتورية في الماضي والحاضر معاً، ويعيد تركيز الأنظار على مطالب الشعب الإيراني في حقوق الإنسان والمساواة وفصل الدين عن الدولة وإلغاء عقوبة الإعدام وحقوق القوميات، كما تجسّدها خطة النقاط العشر.
هكذا، بدا تجمع برلين—وسط الثلج والبرد القارس—أكثر من تظاهرة موسمية للجاليات؛ بل منصة سياسية تريد تثبيت عنوان واحد: إيران على أعتاب تغيير تاريخي، وصوت الشارع لا يقبل إلا مستقبلاً ديمقراطياً يصنعه الشعب بإرادته، وبوصلةٍ واضحة: «لا شاه ولا ملا».